مِن عَصرِ الإمامِ الجواد (ع) ودَورُه
كتابة الفاضلة فاطمة آل السيد
بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاةُ والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسمِ مُحمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين ..
حديثُنا هذا اليوم يتناولُ بعضَ الجوانب من سيرة الإمام التاسع من أئمةِ أهل البيت (ع) أبي جعفرٍ الثاني محمد بن علي الجواد صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبناءِه.
ولسنا بحاجةٍ إلى التأكيد على أهمية الإطلاع على حياة المعصومين (ع) باعتبارهم الصفوة التي اصطفاها الله سبحانه، والنُخبةِ التي انتخبها للبشر لكي يُجسد سبحانه تعاليمهً ومبادِئَهُ في صورة بشر. فهذا نبينا المصطفى محمد (ص) عندما يُوصف فإنهُ يُوصف بأنهُ كان خُلُقَهُ القرآن، القرآن المُتجسد والمتحرك والمتشخص في مبادئه وأخلاقه وآفاقه هو رسول الله (ص). وهكذا أيضا ورد هذا الوصف في حق أمير المؤمنين (ع) حيثُ عبرت الروايات عنهُ بأنهُ القرآنُ الناطق، وسبيل سائر الأئمة (ع) هو نفس هذا السبيل، لذلك يحتاج الإنسان أن يطلع على هذا السيرِ الناصعة.
من هذا الباب نتعرضُ إلى بعض شؤون الإمام محمد الجواد (ع) ولو على سبيل الاختصار.
لمعرفة أبعاد أدوار الإمام لا بد من الإطلاع أيضا على زمانه وعصره، وذلك لأن أدوار أئمة أهل البيت (ع) فيها نقاطٌ مشتركةٌ كثيرة، وفيها نقاطٌ مختصة متحركة، النقاطُ المختصة ترتبطُ غالبا بالوضع الذي عاشه الإمام وبالعصر الذي عاش فيه، فكل عصرٍ يقتضي أسلوبًا للتعامل.
ولادتهُ المُباركة (ع) واستشهادُه:
إمامُنا الجواد (ع) كما هو معروف كانت ولادتُهُ المباركة سنة ١٩٥ هجرية في شهر رجب على الأصح كما يشير إليه الدعاء المروي “اللهمّ إني أَسألُكَ بالمولودين في رجب محمد بن علي الثاني” أي الجواد لأن محمد بن علي الأول هو الإمام الباقر، ومن المصادفة أن كليهما يُكنيانِ بأبي جعفر، فقد تشابها في الاسم واسم الأب وفي الكُنيةِ أيضا.
فولادتُه (ع) كانت في هذه السنة، وجاء (ع) متأخرا للإمام الرضا (ع)، وقد ذكرنا في سنة مضت لماذا قال الإمام الرضا (ع) عن ولادة الإمام الجواد أنها أعظمُ بركةٍ في الإسلام، وبينا أن ذلك لأن ولادة الإمام الجواد (ع) ثبتت إمامةَ الإمام الرضا ورفعت عنها الشُبُهات وستثبت أيضا إمامةَ الإمام الحجة (عج)، والإمام الهادي (ع)، والإمام العسكري (ع) على تفصيلٍ ذكرناهُ في وقته، فلذلك كانت أعظمُ الولادات بركةً في الاسلام كما قال الامام الرضا (ع).
شهادتُه (ع) كانت في سنة ٢٢٠ هجرية في زمان المُعتصم العباسي بإيعاز من المعتصم لأم الفضل ابنة أخيه المأمون حيث دست لهُ السم كما هو مشهور في الروايات واستُشهدَ (ع) عن عمرٍ ناهز الخامسة والعشرين فقط وهو بهذا يكون أصغر الأئمة وأقلهم عمرا.
ما نُقِل عنه (ع):
ومن العجيب أنه في خلال هذه الفترة ترك لنا من الروايات والأحاديث والقضايا ما ينوف على ألف حديث، بعضها مفصلٌ جدًا، وفي مختلف الأبواب من العقائد وصفات الله عز وجل وتنزيهه إلى تفاصيل الأحكام التي وردت، وقد جمعها أحدُ العلماء وهو السيد محمد الحسيني القزويني في كتابٍ قَيم أسماهُ موسوعة الامام الجواد في مجلدين.
ومن تلك الأحاديث ماهو قليلُ النظير، فمثلا فيما يرتبطُ بموضوع الخمس في أرباحِ المكاسب كلُ العلماءِ يعتمدون اعتمادا رئيسيًا على روايةٍ مفصلةٍ معتبرةِ السند رواها عليُ بن مهزيار الأهوازي، وهو أحد أصحاب الامام (ع)، عن الإمام الجواد (ع). ما من باحثٍ في موضوع الخمس في أرباح المكاسب على طبق المبدأ الامامي إلا وهو محتاجٌ إلى هذه الرواية المفصلة التي لا يوجد لها مثيل في تفصيلها وتناولها لمختلف جهات الخمس - طبعا موضوع الخمس في أرباح المكاسب كما تعلمون هو محلُ جدلٍ ولا سيما في الآونة الأخيرة وربما نُشير إليه في محاضرة خاصة لطول الموضوع -.