المهم أنهُ هناك أكثر من ١٠٠٠ حديثٍ وقضية مرتبطة بالإمام الجواد (ع) رواها أصحابُهُ والرُواةُ عنه، وجمعها صاحب كتاب موسوعة الإمام الجواد بدءًا من أبوابِ العقائد ووانتهاءً بالفروع الفقهية إلى أبواب الحج، وبعضها شكلت قواعد فقهية، وهناك فرقٌ بين حديثٍ في موضوع جزئي وبين حديثٍ ينتهي إلى رسم قاعدةٍ فقهية.
الخُلفاء الذي عاصرهم الإمام (ع)
سنستعرضُ ونُشير إلى لقطةٍ عن العصر الذي عاش فيه الامام (ع)، وقد عاصر (ع) عصرين، الأول هو عصرُ المأمون العباسي، المأمون ابن هارون الرشيد عاصره الامام الرضا (ع) إلى سنة ٢٠٣ هجرية حيث استشهد الامام الرضا وقام بأمر الخلافة بعد ذلك الامام الجواد، وبقي (ع) في هذا العصر إلى سنة ٢١٨ هجرية، أي ما يقارب ١٥ سنة، حتى توفي المأمون واستقل المُعتصم بأمر الحكومة والخلافة.
بصورةٍ عامة كانت الأوضاع بين الحكم العباسي وبين الامام (ع) ليست متشنجةً جدًا، في بداية الأمر حين قرّب المأمون الإمام الجواد وأعلى من منزلته واستقطبهُ إليه، وأثار بهذا ضجةً في الحاشية والبلاط العباسي وأسرة العباسي، وكأنما يقولون بلسان الحال بأننا للتو تخلصنا من الرضا الذي كان مقربا ووليا للعهد والآن نعودُ لنتورطَ مع ابنه! فحاولوا كثيرا أن يثنوا المأمون عن هذا التقريب والاهتمام.
على كل حال فإن شخصية المأمون تحتاجُ إلى دراسةٍ مستقلة، فهو أذكى شخصية شهدتها الدولة العباسية من بدايتها إلى نهايتها، وهذا بإقرار كثير من الدارسين والباحثين في تاريخ الدولة العباسية. فالرجل كان ذكيًا ومطلعًا وعالمًا مثقفًا، طبعا في الموضوع السياسي فإنهُ يحتاج إلى بحثٍ مفصل، فكيف مع معرفته بفضيلة أمير المؤمنين (ع) وهو كان يُناظر بني العباس في حق أمير المؤمنين (ع) وكان لديه أدلة وعقلية بحيث يستطيع أن يناظر في حق أمير المؤمنين (ع) ويغلبَ من يُناظره، وهذا منقول وثابت من طرق الشيعة وغيرهم، ولكن كيف مع كل هذا أنه ارتكب ما ارتكب مع الإمام الرضا (ع) بناءً على المشهور من سمه إياه وكيف أنه لم يكن جادًّا في ولاية العهد مع الإمام الرضا (ع)، فهذا يحتاج إلى بحثٍ خاص في شخصية المأمون، ولكن بشكلٍ إجمالي المأمون قال لبني العباس إن كانت لكم مشكلة مع الرضا فامتحنوه، فجرت له عدة مجالس أحدها كان مع القاضي يحيى ابن أكثم وهي رواية مشهورة وتلقى عادةً في المنابر ومعروفةٌ جدًا.
بعد هذه الفترة لم يُشهد توتر أو تشنج بين الإمام الجواد (ع) وأتباعه وبين الخلافة العباسية بالرغمِ من أنه حدثت ثوراتٌ من العلويين لكن كأنما كانت محسوبة خارج إطار الإمام الجواد (ع).
واستمر هذا الوضع كما قُلنا إلى حدود سنة ٢١٨ هجرية حين جاء جعفر المعتصم ابن هارون الرشيد والذي غير المعادلة تمامًا، وذلك نظرًا لصفاته الخاصة، فالمعتصم كان ضعيف علميًا للغاية، فكان بليدًا من هذه الجهة، وكان أضعف من ذلك في الكتابة، فالمأمون كان مُتحدثًا مثقفًا عالمًا، يستطيع المناظرة مع العلماء ويجلس مجالسهم، وأنا هنا لا أريدُ أن أُثني عليه أبدًا في هذا ولكن هذه كانت شخصيتهُ، فالدكتور في أعلى الدرجات وإن كان مسيحيًا، وإن كان مُلحدًا، ولكنك مضطرٌ للإقرار بعلمه وإن خطَّأتهُ في توجُهه ونظرياته الدينية، وشخص آخر تجدهُ أشبه بالبهائم منهُ بالرجال في المعرفة والعلم، أنت هنا لا تمدحُ ذاك لدينه و لا تذم هذا لدينه، وإنما تتحدث عن شخصيته، وهذا ما يُذكر عن المأمون والمعتصم.
المعتصم كان ضعيفا جدا من الناحية العلمية، ولذلك كانت توجهاته توجهاتٍ عسكرية فهو عسكريٌ بامتياز، وقد فهم ذلك مُعاصره فقال في قصيدته مُخاطبًا إياه بما يُناسبُه:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ في حدِه الحدُ بين الجِدِ واللعبِ