الإطار الثالث: التواصل العلمي بين علماء المذاهبمن الأمور المهمة والنافعة جدًا التواصل العلمي بين فقهاء المذاهب ؛ لأنّه كلما ارتفع المستوى الثقافي والعلمي قلّت المشاحنات والتشنّجات ، فكل عالمٍ يستطيع أن يقرأ لذلك العلم ، وذلك يستطيع أن يفهم وجهة نظر الآخر وطريقة استدلاله ، لأنّ أهل العلم يفهمون على بعضهم وكيف استدلّ أحدهم على قضية من القضايا وإن كان يختلف معه في قبولها .التواصل العلمي في هذا الوقت الراهن قليل جدًا ومن بعض الأمثلة على ذلك وجود ما يسمى ( مؤتمر للفقه الإسلامي ) هذا المؤتمر ترعاه رابطة العالم الإسلامي ويضمّ كل المذاهب الإسلامية المعروفة حيث يعقد كل سنة أو كل سنتين ، ويطرح فيه القضايا الفقهية الهامة لا سيما ما يسمى ( الاستفتاءات الجديدة مثل ( بنوك الدم،
بنوك الحليب، الاستنساخ، التلقيح الصناعي )هذه المؤتمرات تسهم في زيادة المعرفة والتواصل بين علماء المذاهب وأربابها ، وقد صدرت عنها بعض الأشياء الجميلة كالذي صدر منذ فترة حيث كلّف علماء كل مذهب أن يكتبوا ( كتابة استدلالية متقنة للقواعد الفقهية والأصولية المتأخرة التي انتهى إليها المذهب والتي تستخدم في الاستدلال وكذلك شرح القاعدة وأدلتها وتطبيقاتها ) وقد كتبت كتبات متقنة في هذا الجانب ساهمت في التعارف بين المسلمين .ومع كل هذه الجهود إلا أنّها تبقى قليلة لأنها في إطار الحالة الرسمية للحكومات ، وليست لها أدواتها الخاصة.نحن بحاجة أكثر للتواصل بين المجاميع العلمية مثلاً الحوزة العلمية في النجف مع الجامع الأزهر في مصر ، أو الحوزة العلمية في قم مع جامع الزيتونة في تونس أو القرويين في المغرب وغيرها ،
بحيث يتواصل العلماء ويتبادلون الآراء ويعرضون النتائج والإنجازات ، هذه الاجتماعات العلمية يجب أن تكون بعيدة عن العلاقات السياسية سواء كانت حسنة أم غير حسنة ، يفترض أن تكون هناك علاقات علمية وفكرية بين هذه المجاميع ، وقد حصل في تاريخنا الحديث مثل هذا وكان له آثار طيبة جدًا ، ومثاله ما وجد لدينا باسم السعي للتعريف بالمذاهب الأخرى لكنّه للأسف قد يلاقي معوقات من كلا الجانبين ( السنة والشيعة ) من قبل أولئك المتطرفين الذين يفسدون مثل هذه الأفكار التي تقرب بين المذاهب .وقد حدث مثل هذا الأمر في الزمن القديم وعلى سبيل المثال :١/ من أيام زمن شيخ الطائفة الطوسي المتوفي سنة أربعمائة وستين هجرية أي قبل حوالي الف سنة ، حيث كان يكتب كتاب (الخلاف ) وهو
فقه مقارن متقن يأتي بالمسألة الواحدة ثم يتعرّض فيها إلى آراء رؤساء المذاهب فيأتي برأي مالك ثم الشافعي ثم أحمد بن حنبل ثم أبو حنيفة بل وغيرهم من المذاهب التي انقرضت ، ثم يأتي برأي الإمامية ، وبما أنّه فقه استدلالي يبيّن أنّ رأي الإمامية هو الأقوى مع تعرضّه لآراء الآخرين بكل احترام و إنصاف ، وليس كما يفعل البعض حيث يعتبر الآخرين جهلة ومذهبهم باطل ، بل يعرض الشيخ الطوسي أدلة علماء المذاهب كما قرّروها وما رأوها بدون تسقيط .٢/ المحقّق الحلي صاحب كتاب (شرائع الإسلام ) المتوفي سنة ستمائة وست وسبعين هجرية أي بعد حوالي مئة وخمسين سنة أو مئتين سنة من زمان الشيخ الطوسي ، يأتي ليكتب كتاب ( المعتبر ) وهو كتاب فهي استدلالي أيضًا يأتي
فيه بآراء المذاهب الأخرى ورأي الإمامية ويقارن بينها و ينظر في أدلتها ٣/ تلميذ المحقق الحلي المتوفي سنة سبعمائة وستة وعشرين أتى وكتب عدة كتب منها ( تذكرة الفقهاء ) وهو كتاب ضخم يقع في مجلدات ينهج فيه نفس المنهج حيث يستعرض آراء المذاهب الإسلامية ورأي الإمامية.٤/ الشهيدان ولا سيما الشهيد الثاني الذي يعتبر من أعلم علماء الطائفة والذي يثني على علماء المذاهب حيث تتلمذ على يديهم ويمدحهم ويصف البعض منهم بدقة النظر والبعض بجودة الحفظ، والبعض بقوة الاستدلال ، ولهذا الوقت تعتبر كتب الشهيد الثاني هي أهم الكتب في الحوزات العلمية.في الزمن الحديث استمرت هذه الحركة على يد المرحوم السيد حسين الطباطبائي البورجردي الذي سعى بخطوات كبيرة وواسعة ، حيث أنّه رأى أنّ الجامع الأزهر في زمانه هو الممثّل