أمر الخيانة - يعد براعة، وبعض الناس يعتبرونه كذلك. فتذهب جراء ذلك نفوس، ودماء تسيل، وعوائل تندثر، وأيتام تكثر، ونساء تترمل.هذا جزء من الخيانة. الآن، لا واحد يأتي ويقول: هذه الأمور الحمد لله بعيدة عنا. الواحد منا ليس متورطا في هذه الصفقات الكبيرة والأمور الكثيرة. لكن لا، هناك أشياء قريبة منا، ما يرتبط بأعمالنا الشخصية. أنا إنسان موظف في دائرة من الدوائر، لا سيما الدوائر التي ترتبط بأعمال الناس، وحاجات الناس: المحاكم، الأحوال المدنية، الصحة، التعليم، البلديات، غير ذلك. أنا المفروض - بحسب العقد الموقع بيني وبين الجهة - أن أداوم مثلا من الساعة ٨ إلى الساعة ٢؛ حتى أقضي حوائج الناس. لكني آتي الدوام الساعة ٩، وأفكر أولا أنه لا بد أن أفطر، والإفطار لا يحلو إلا في داخل
هذه الإدارة، ولا بد أن يكون مع الجماعة، جلسة وكذا، ٩:٣٠، ١٠ إلا، نكون للتو قمنا نتحرك باتجاه أعمالنا. بعد ساعة، ساعة ونصف، ارتفع الآذان، فنتحضر للصلاة، فلا يصح من الواحد منا أن يترك الصلاة من أجل العمل.أذهب إلى وضوئي وصلاتي ٤٠ دقيقة، ٥٠ دقيقة، وإلى آخره. أصبحت الساعة ١٢:٣٠، ١. صار لا بد أن أجلب ابني من المدرسة، وابنتي من المدرسة. أصبحت الواحدة والنصف، لماذا أرجع إلى الدائرة الآن؟ والساعة ٢ ينتهي دوامي! هذا من خيانة الاتفاق. ولا سيما إذا تعطلت معه حاجات الناس. هذا لا يأكل ماله أكلا بالحق وإنما يأكل بالباطل. (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)، يقول القرآن الكريم، (بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، هذا من الأكل بالباطل. أنت مسؤول عن أن تنجز هذا العمل. لست تتفضل علي أنا. بعضهم تذهب إليهم
وتراجعهم، إذا تتحدث معهم قليلا، قالوا لك: ماذا أفعل لك، راجعني غدا. لا يحق له ذلك. شرعا لا يحق له. في سائر الأماكن يعاقب هذا. الآن، في بلادنا المسلمة هذا الأمر، المباشر للمهمة، لا يعتبر نفسه خادما وموظفا ومسؤولا. مسؤول ماذا معناه، معناه: أحد يسأله، يحقق معه. مسؤول لا يعني أن يأتي هو ويتهجم على المراجع. موظف يعني: عليه وظيفة، يجب أن يقوم بها. أما قسم تراه هناك جبار. في الصحة إذا تتكلم معه قليلا، قال لك: ماذا أصنع لك؟! أنا كذا وكذا. ماذا تصنع؟! عليك أن تلتزم بدوامك. أنت هنا تأخذ مالا، لا تتصدق علي، ولا تتفضل. أنت في كل دقيقة يحسب لك مبلغ من المال، في كل ساعة يحسب لك ذلك. بسببي أنا، أنت ترتزق. أنا المراجع صاحب
فضل عليك؛ لأنك لولاي - أنا المراجع - لا تحصل على وظيفة. وإذا لا تحصل على وظيفة، لا تحصل على رزق. فلا بد أنت أن تعرف أنك لست صاحب فضل علي. حتى إذا أديت شغلا، تروح تمن علي. نحن أدينا شغلك! هذه وظيفتك. أنجزتها لك في نفس اليوم! هذا واجبك. لو لم تعمله أنت، لم تكن مستحلا لهذا المال الذي أخذته، وكنت خائنا لمقتضى الاتفاق المبرم بينك وبين هذه المؤسسة أو هذه الجهة. فبعضهم لديهم عدة أعمال. افترض هو في البلدية ولديه مكتب هندسي، ومكتب آخر مقاولات، فيأتي ساعة في هذا المكان، ويذهب إلى هناك ساعة، ومكان ثالث لمدة ساعة! هنا لا يجوز هذا، أنت أُخِذ عليك أن تدوام ٨ ساعات، ٦ ساعات، فيجب أن تصرفها في هذا العمل كلها.
موظف - لنفترض في التعليم، في الصحة - نفس الكلام، كله بشكل واحد. من عدم الأمانة أن يقتصر ويختزل الإنسان مدة دوامه، وأن يخرج هنا وهناك لأعمال أخرى، وأحيانا حتى ليس لأعمال أخرى. أشرنا في بعض الحالات، لواجب، لأمور اجتماعية، فاتحة فلان صبحا، فلا بد أن أذهب إليها. لا يجوز لك أن تترك عملك للناس، وتذهب إلى فلان وفلتان. تريد أن تقوم بمستحب شرعا، وهو التعزية، بما فيه محذور شرعي! إذا ضاقت عليك، لا تذهب. أنت في اتفاق مع ذلك الطرف الأول صباحا. فهذه من الأمور التي أيضا تعد من الخيانة. أحيانا حتى التضييع يعد خيانة. أي عدم الإدارة الحسنة. وقد أشرنا إلى هذا عند حديثنا حول موضوع الأوقاف. أحيانا عدم الإدارة الحسنة قد يرتقي إلى مستوى الخيانة. في حديث