سلسلة الأمراض الأخلاقية الخيانة في المال والأعمالبسم الله الرحمن الرحيموالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمدوعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاتهفي كتاب الكافي، لثقة الإسلام الكليني، رواية عن الإمام الصادق (ع)، ينقلها عن رسول الله (ص)، عن أبي عبد الله الصادق قال: قال رسول الله (ص): "ثَلَاث ٌمَنْ كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ". ثلاث خصال إذا اجتمعت في إنسان، فهو منافق. حتى وإن كان يؤدي العبادات ويرى نفسه مسلما. إلا أنه مع توفر هذه الخصال فيه، يكون منافقا. الخصال هي: "مَنْ إِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ"، أي عندما يؤتمن على شيء، يخون الأمين. يؤتمن على المال، فيخون المال. يؤتمن على عمل، فيخون في
العمل. يؤتمن على أمانة، فلا يؤديها إلى ما ينبغي أداؤها إليه. "مَنْ إِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). وَقَالَ: (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، وَفِي قَوْلِهِ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا). هذا الحديث الشريف، وهذه الخصال التي ذكرت فيه، ذكرت في أحاديث كثيرة جدا. في مصادر مدرسة الخلفاء، تكرر هذا الحديث: "أَنَّ عَلَامَات المؤْمِنِ ثَلَاثٌ، وَأَنَّ عَلَامَات المنَافِقِ ثَلَاثٌ"، ومنها: "مَنْ إِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ". نفتتح حديثنا حول موضوع الخيانة - كأحد الأمراض الأخلاقية - بهذا الحديث الشريف، الذي يسلب عن الإنسان الخائن للأمانة صفة الإسلام وإن صام وصلى. وهناك حديث آخر، أشد من هذا الحديث، فيه:
"أَنَّ أَحَدَهُم سَأَلَ الإِمَامَ (ع): كَيفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا أُؤتُمِنَ خَانَ، قَالَ: هُو فِي أَدْنَى دَرَجَةٍ مِنَ الكُفْرِ، وَلَيسَ بِكَافِر". هذا ما دام يتشهد الشهادتين، فهو يبقى على إسلامه. لكن هذه الصفات إذا اجتمعت فيه، تجعله أقرب شيء إلى أن يكون كافرا؛ وإن لم يكن كافرا. ومثل هذه الأحاديث، ينبغي أن تغير نظرة الإنسان إلى اتصافه بالإيمان والإسلام. الغالب أن الناس لا يجعلون الاتصاف بالصفات والالتزام بالأعمال، تصديقا للعنوان. مسلم، يعني: أبوه مسلم، وأمه مسلمة، وهو ولد منهما. وأيضا يتشهد الشهادتين. لكن جاءت مثل هذه الأحاديث لتقول لنا: وإن زعم أنه مسلم، وإن صلى، وإن صام، إلى أنه مع اجتماع هذه الصفات، لا يكون مسلما حقيقيا، ولا يكون مؤمنا، وإنما يعد في جملة
المنافقين. حديثنا هذا يكون افتتاحا لموضوع الخيانة في الأعمال وفي المال. نحن تحدثنا في أحاديث سابقة عن موضوع الخيانة، وتطرقنا إلى شدة التنكير عليه في القرآن الكريم وفي أحاديث المعصومين. ثم تحدثنا أيضا حول أن القاعدة هي أن: المجالس بالأمانة، أو بالأمانات. وأنه لا يجوز للإنسان المسلم، إذا كان في مجلس أو تجمع، ودار حديث لم يكن يرغب المتحدث فيه بنشره، لا يجوز لهذا الإنسان الآخر، الجالس في هذا المجلس، أن ينقله؛ لأن المجالس بالأمانة. وتحدثنا عن هذا مفصلا. حديثنا هذا اليوم يتناول بعض أطراف قضية الخيانة في الأعمال وفي المال. المظاهر والأمثلة على قضية الخيانة في الأعمال وفي المال أكثر من أن تُحصر. لا يستطيع الإنسان أن يعدد كل الأمثلة. ولكننا نتطرق إلى بعضها، من باب أنها أكثر شهرة،
ومن باب التمثيل بها؛ للاهتداء إلى حكم غيرها. هذه الصور وإن تعددت، إلا أنه يفترض أن مرجعها: أن الإنسان الخائن خالف مقتضى الأمانة في هذا العمل الموكل إليه، أو خالف مقتضى الأمانة في المال الذي أؤتمن عليه. الآن تتعدد الطريقة، بهذا الأسلوب، بذاك الأسلوب، أكثر، أقل. لكن منتهاها إلى هذا الأمر. من ذلك مثلا: في قضايا الأعمال، ما قد يُبتلى به بعض مسؤولي التسويق والشراء في الشركات والأعمال. أنا موظف أشتري أغراضا وسلعا للشركة التي أعمل فيها، أي مندوب شراء. فيعطى لي مثلا ١٠ آلاف ريال أو دولار، ويقال لي: نريد منك أن تشتري السلعة الكذائية، تشتري مراوح مثلا، كاميرات، أنوار، وأمثال ذلك. وهذه نحن نحتاج منها إلى ألف إنارة على سبيل المثال، أو إلى ١٠ مراوح أو إلى ثلاث