أنا لدي شك، لدي مسائل، تشكيكات، وأريد أن تكون هذه بيني وبينك. أما الباقي فلا أعترف بنقاشهم. ثم بدأ يتحدث معه، إلى كم تدورون، تدوسون هذا البيدر؟ وتنفرون كالبعير إذا نفر؟ ... تشكيك في أعمال ومناسك الحج. فاستمع إليه الإمام الصادق (ع)، ثم بدأ يرد عليه ردا علميا هادئا، فالشاهد أن ذاك طلب المجالس بالأمانات حتى وهو مشكك، بل يحسب في عداد الزنادقة.
الإمام الكاظم (ع)، أستشهد بحواره مع هارون العباسي. هارون العباسي استدعى الإمام الكاظم (ع) في إحدى جلساته معه، وبدأ يقول له: لماذا أنتم بنو هاشم تفضلون أنفسكم علينا أبناء علي بن أبي طالب مع أننا وأنتم أبناء جد واحد، وهو هاشم؟ أنتم تنتمون إلى أبي طالب، ونحن ننتمي إلى العباس بن عبد المطلب بن هاشم. فلماذا تفضلون أنفسكم علينا، وترون أنفسكم أحق بالخلافة وبالدين منا؟ فبدأ يجيبه الإمام (ع). فأراد هارون الاستزادة. فقال: "زِدْنِي يَا مُوسَى". فقال الإمام (ع): "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَاتِ، وَخَاصَّة مَجْلِسُكَ". فقال هارون: لا بأس عليك. بمعنى: أن هذا الكلام لن أذهب به إلى القضاة، لن أدينك به، لن آخذه عليك وثيقة عليك. فالإمام قال له: "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَاتِ" معناه: أن حدود هذا الكلام هو هذه المنطقة بيننا. وأمثال ذلك كثير، لا نريد الإطالة فيها.
يستنتج بعض العلماء من هذا الكلام، أن الأصل في المجالس أنه لا يجوز إفشاء ما لا يرضى به أهل المجلس. ذهبنا إلى مكان، جلسة، فيها ١٠ أشخاص، وأنت واحد منا. أنا قلت كلاما، وفلان قال كلاما، وزيد قال كلاما ثالثا. والمفروض أن هذا المجلس مجلس محدود، ليس مجلسا عاما. فلا يجوز لأي واحد منا أن ينقل ما قاله الآخر إلى عامة الناس إلا إذا علم منه الرضا. تقول: طرحنا القضية الفلانية، أنا كان رأيي موافق، لكن فلان خالف في ذلك بقوة. لا يجوز لك هذا الشيء. إذا كان نقل هذا الخبر يسيء إلى فلان، لا يجوز لك.
ويعقب على ذلك بعض العلماء، بأنه: الظاهر عدم خصوصية – وهذا مهم – للمجلس، فيشمل الحكم المكالمات الهاتفية والمكاتبة. يقول: نحن لسنا في مجلس. أحدهم كلمني مكالمة تلفونية، ثم أنا سجلتها عليه، ونشرتها على الإنترنت. لا يجوز لك ذلك. أو ذهبت بها إلى بعض أخواني وأصدقائي ليسمعوها. لا يجوز لك ذلك إذا كانت شيئا خاصا لا يرضى به المتكلم.
ويدخل في هذا طوائف كثيرة، قال بعضهم: يدخل في هذا الإطار، كل من كان له طريق إلى الاطلاع على أسرار الناس. الطبيب، عادة مطلع على أسرار الناس. زيد جاء لي وأنا طبيب. اكتشفت أن هذا الإنسان عنده مرض في المسالك البولية مثلا، مرض في القدرة الجنسية، مرض في الجانب الفلاني، وهو يريد كتمان ذلك. إذن، لا يجوز لي أن أخبر بمرضه، فآتي يوم الجمعة مثلا، وقت جلسة العائلة، وأقول: فلان قدم إلي، وتبين أنه يشكو من العقم، يشكو من عدم القدرة الجنسية، مصاب بالسرطان، عنده كذا، وكذا.
إذا كان ذلك المريض لا يريد الإخبار، لا يجوز لي أنا الطبيب أن أفعل ذلك. وكأنما هذا ليس فقط قانون إسلامي، وإنما قانون طبي، يسمونه: قسم أبو قراط على ما أتذكر. أنه لا يجوز للطبيب أن يفشي أسرار المريض ويقسم على ذلك. نحن قبل أبو قراط وغيره، هذا قانون إسلامي ديني، أخبر عنه رسول الله (ص).
بل أيضا العلماء، زيد يخمِّس عند العالم الكذائي. وتبين أن خمسه كذا، يعني رأس ماله كذا. هذه فرصة أن أخبر الجمعية الخيرية أن هذا إنسان متموّل. أو أخبر مثلا أصحاب المسجد الفلاني، أن هذا رصيده في البنك كذا. توجهوا إليه. لا يجوز ذلك لي.