المجالس بالأمانة ؟ أو الخيانة ؟ ١٢

المجالس بالأمانة ؟ أو الخيانة ؟ ١٢
00:00 --:--

١١ المجالس بالخيانة أو بالأمانة؟

 

كتابة الاخت الفاضلة أمجاد عبد العال

حديثنا هذا اليوم يتناول أحد الأمراض الأخلاقية، وفي مقابلها أحد العلاجات الدينية. الموضوع هو في ذيل حديثنا عن مفردة الخيانة. الخيانة من الأمراض الأخلاقية، والذنوب الشرعية، ولها مظاهر متعددة وتجليات مختلفة. من جملة ذلك: خيانة الأسرار، وخيانة المجالس. وحديثنا سوف يكون هذا اليوم في هذا الموضوع. حياة الإنسان متداخلة مع أخيه الإنسان، وهذا يقتضي أن يشترك معه في كثير من الموارد. يشترك معه في عمل، يشترك معه في هيئة، أو مؤسسة، يشترك معه في عائلة أو عشيرة، يشترك معه في اجتماع ولقاء، في سفر. وكثيرة هي مواضع الاشتراك والاجتماع بين الإنسان وأخيه الإنسان. وبطبيعة هذا الاشتراك يطلع كل من الطرفين على أمور من الطرف الآخر، قد لا يطلع عليها غيره.

أنا أكون في سفر مع إنسان، فأكتشف من أخلاقه ومن طريقته في الحياة، أو من التزامه أو عدم التزامه، ومن حدته وغضبه ورضاه وما شابه ذلك، ما لا يتيسر لغيري ممن لم يسافر معه. أكون معه في عمل مشترك، في جمعية خيرية، في هيئة اجتماعية، في حركة سياسية، في أمر من الأمور، وتتيح لي هذه المعاشرة والمعايشة أن أتعرف على أفكاره العامة، والخاصة أحيانا. وأن أتعرف على طريقة حياته، ومواقفه وما شاكل ذلك. أجلس معه في اجتماعات، وفي جلسات ولقاءات ودروس، وغير ذلك. فأكتشف منه إما من خلال تلفظه، يتكلم كلاما فأنا أسمعه، أو من خلال ممارسته العملية ما لا يكتشفه غيري من الناس. بل أكثر من هذا، أحيانا أنا طبيب، فيأتي إلي إنسان، فيبيح لي بدخيلة نفسه وأسرار ذاته وأمراضه ومشاكله، سواء كانت بدينة أو نفسية أو غير ذلك. أنا مستشار، وهكذا.

هنا، قد يلجأ بعض الناس إلى الطريق الخاطئ، فيخونون هذه الأسرار، وهذه الأمور، ثم يكشفونها، إما ابتزازا - قسم من الناس، يحصلون على معلومات عن زيد وعمر من الناس، فيبتزه بهذه المعلومات. إذا لا تحقق لي كذا وكذا، أخبر عنك هذه المعلومات وأفشيها - أو لا، لا يريد منه شيئا، فقط يريد تحطيمه.

أنا أعرف عن فلانة، أن لديها كذا وكذا، فأحاول أن أحكم سمعتها أو سمعته من خلال إفشاء هذه الأمور التي لا يرغب ذلك الطرف في إفشائها. بل يحدث أكثر من هذا أحيانا، كما شهدنا، بعض المشتركين في أعمال، في نشاطات اجتماعية، أو دينية، أو سياسية، أو غيرها. بمجرد أن يخرج من هذا التجمع أو من هذا العمل المشترك، يذهب لكي يكتب مذكراته الخاصة فيقول: فلان عمل كذا، وفلان لم يعمل كذا، وفلان قال كذا، وفلان لم يقل كذا. بعنوان: مذكرات. هنا يُتساءل: من الذي أجاز لك أن تفشي هذه؟! أنت تريد أن تُفشي حياتك الخاصة، ذاك أمره إليك. أما أنك سمعت فلان يقول هذا الكلام، وذلك الشخص لا يرغب في إفشاء هذا الكلام، من أجاز لك أن تفشيه وتعلنه؟! هذا لا يوجد له مبرر شرعي، بل يعد من الخيانة في بعض الصور. ولذلك تأسس عندنا في الشريعة الإسلامية، ما يواجه هذا المرض الأخلاقي: الخيانة، بقاعدة أخلاقية وشرعية وفقهية. وهي الكلام المشهور والمعروف: أن "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَات"، أو "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ".

وهذا الكلام، "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ"، بمعنى: أنك لو جلست مع إنسان، وأسر إليك بكلام، ولم يكن يقبل بأن تنقل هذا الكلام، لا يجوز لك نقله، حتى لو كان أمرا إيجابيا. علماؤنا يقولون: حتى لو كان أمرا إيجابيا، فضلا عن السلبي. يعني مثلا: شخص قال لك: أنا أصلي صلاة الليل، ولكن لم يكن يرغب أن تخبر عنه بذلك. قال: أنا لدي علاقة طيبة مع المراجع، أنا لدي إحسان إلى الناس، ولم يكن يرضى أن تتحدث عن هذا الموضوع، لا يجوز لك أن تتحدث فيه، حتى في الجانب الإيجابي. فما ظنك بالجانب السلبي.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة