وقد نقلت كتب الحديث أن الكلمات التي لم يسبق بها نبينا المصطفى محمد (ص)، هي هذه الكلمة. هناك كلمات عُدَّت من الكلمات المبتكرة، والحكم التي لا سابق لها في لسان العرب. مما جاء به النبي محمد (ص)، من جملة ذلك، هذه الكلمة: أن "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ". كما أشار إلى ذلك الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه، في كتاب: من لا يحضره الفقيه. ونقل عنه متأخرون. هناك عدد كبير من الكلمات التي لم يسبق رسول الله بها. أي: هو أول من قالها في اللغة العربية. من جملتها: هذه الكلمة. وتأسس عليها أيضا قاعدة شرعية. نحن نذكر بعض ما ورد حول هذا الحديث من كتب الجمهور، ومن كتب الإمامية.
في كتب الجمهور، نقل هذا الحديث باعتبار أنه حديث حسن، وأنه يمكن العمل به. وقال ابن عبد البر، في أدب المجالسة، عن النبي (ص): "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَات، وَإِنَّمَا يَتَجَالَسُ الرَّجُلَانِ بِأَمَانَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا افْتَرَقَا، فَلْيَسْتُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ". طبعا ليس فقط الرجلان، وإنما أي متجالسين. امرأة مع امرأة، تجلس معها، يتحدثان، فتأخذ كل منهما وتعطي. ثم إحداهما، تذهب لتخبر أنني البارحة جلست مع فلانة وأخبرتني بكيت وكيت وكيت.
فإذا كانت طبيعة المجلس، أو طبيعة الحديث، أو حتى إذا قالت إحداهما: المجالس بالأمانات، أو نمط الحديث يقتضي أنه نمط خاص، فلا يجوز للأخرى أن تنقله. وهكذا لا يجوز لذلك الرجل أن ينقل، ولا يبرر ذلك قول البعض: حتى تنكشف الحقائق. هذا غير مبرر، وغير جائز. أنا أنقل عن فلان هذا الكلام حتى تنكشف الحقائق، وتتضح الأمور. لا يجوز ذلك؛ لأن المجالس بالأمانات.
وهكذا أيضا، ورد في كتبنا، في وصية رسول الله (ص)، لأبي ذر، قال: "يَا أَبَا ذَر، الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَة، وَإِفْشَاءُ سِرِّ أَخِيكَ خِيَانَةٌ، فَاجْتَنِبْ ذَلِكَ". أخوك أسر إليك بسر، قال لك: هذا سر أعطيك إياه. طبعا الموقف الأولي: الأفضل للإنسان كما ورد في الحديث: "سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَلَا يَجْرِينَ فِي غَيرِ أَوْدَاجِكَ". فحافظ على سرك ولا تطلع عليه أحدا. لكن لو فرضنا أنك أطلعت عليه زيد من الناس، والسر قانونه: أن يُحتفظ به. فلا يجوز لذلك السامع أن يفشيه. فإن المجالس بالأمانات. وإفشاء سر أخيك خيانة. نعم، هناك استثناءات سوف نأتي عليها فيما بعد.
ثقة الإسلام الكليني، رضوان الله عليه، في كتاب الكافي، عقد بابا، أسماه: المجالس بالأمانة. وأورد فيه عددا من الأحاديث. قسم منها معتبر، ومما جاء في ذلك الباب: عن أبي عبد الله الصادق (ع): "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَة، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ، يَكْتُمُهُ صَاحِبُهُ". ذاك المتكلم كان كاتما لهذا الحديث، لكنك تأتي متطوعا وتخبر به الآخرين. ليس ذلك لك. إلا بإذنه. تستأذنه، هل تسمح لي أن أنقل هذا الحديث؟ فإن جاز، وإلا فلا. "إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً أَوْ ذِكْرًا لَهُ بِخَيْر". إذا كان ذكر له بخير، ولم ينه عن إشاعته، فلا بأس بنشر عوارف الخير والمعروف في المجتمع.
أتدري، لو أن فلانا حدثت له قصة فيها عبرة، فيها أثر طيب، لو نُقلت إلى الناس. فلا مانع أن تنقل إلا إذا نهى صاحبها عن نقلها. وهذا نلاحظه، بالنسبة إلى الإنسان المؤمن، بل حتى بالنسبة للملحد. لاحظوا. حتى للملحد، إذا قال: "الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ"، ليس لك حق أن تفشي سره، وإن قال بعض العلماء: أن هذا فقط في الدائرة الإسلامية، ولكن يستفاد من حادثة وقعت بين الإمام الصادق (ع) وأحد الملاحدة، وهو ابن أبي العوجاء، عبد الكريم، أن الإمام أعطاه ذلك مع إلحاده. هذا ابن أبي العوجاء، رجل ملحد، كان يثير الشكوك في الوسط الإسلامي، ويذكرون أنهم: كانوا يتقون لسانه. يعني تشكيكاته زفرة، سيئة. إلى أن جاء إلى الإمام الصادق (ع) وكان في الحج، فجلس إليه، وكان في جماعة من نظرائه، فقال: "يَا أَبَا عَبْدِالله"، هذا من؟ ابن أبي العوجاء، المشكك، "يَا أَبَا عَبْدِاللهِ، إِنَّ الْمَجَالِسَ بِالأَمَانَات، وَلَا بُدَّ لِمَنْ كَانَ بِهِ سُعَالٌ أَنْ يَسْعَلَ"، أي أنا لدي مسألة لا بد أن أقولها، لكن لا تنقلها عني؛ لأنه في ذاك الوقت كان الذي يعرف عنه هذا المذهب، يُقطع رأسه.