من العطاء الفكري للإمام الباقر عليه السلام
تفريغ نصي الفاضل منتظر أحمد المطوع
حديثنا يتناول جانبا من النشاط العلمي و الفكري للإمام الخامس من أئمة أهل البيت عليهم السلام و هو الإمام أبو جعفر محمد ابن علي الباقر صلوات الله و سلامه عليه .
سوف نتناول هذا الجانب أو شيئا منه نظرا لأنه الجانب الأبرز في حياة هذا الإمام العظيم و لما لهذا الجانب من أهمية قصوى في حياة المذاهب و التيارات الدينية .قوة كل شيء تنتهي إلى ما يناسب ذلك الشيء ، الجيوش قوتها في التخطيط العسكري و في استخدام السلاح ، هذه الجيوش لو لم تمتلك ثقافة دينية أو رؤية سياسية لايؤثر ذلك على انتصارها في الحرب تأثيرا كبيرا ،المطلوب في قوة الجيش و في تحقيقه الإنتصار تخطيط عسكري و قدرة متميزة في استخدام السلاح المتطور . أما في الأديان و المذاهب فهذا الأمر لا يتأتى لا ينتصر دين و يعم على الناس بقوة السلاح و لا بكثرة السلاح ، ذلك أن القاعدة في الدين عدم الإكراه ( لا اكراه في الدين ) ، و إنما في الدين في المذهب قوته في أن يكون فيه رشد متبين أن يكون فيه علم كثير أن يكون فيه جواب عن الأسئلة الحائرة التي لا تستطيع بقية الأديان و المذاهب أن تجيب على هذه الأسئلة . و لهذا وجدنا مثلا أن بعض الأديان و بعض المذاهب قد بقية و استمرت بالرغم من كل الحروب العسكرية ، و السياسية و الإقصائية التي مورست ضدها ، قتلوا شردوا طوردوا ذبح قادة تلك الأديان و المذاهب و لكن لم تنتهي لماذا لأن العامل الفعال في حياة المذاهب و بقائها لا يرتبط بأمر السلاح و لا بالمعركة العسكرية و لا بالمعركة السياسية ، و إنما يرتبط بالتفوق العلمي و القدرة على الإجابة على الأسئلة المطروحة . و من هنا وجدنا سرا في تفوق منهج أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم على مخالفيهم و مناوئيهم ، فإن أئمة الهدى عليهم السلام وشيعتهم في تاريخ المسلمين في الغالب لم يكونو الفئة الغالبة المسيطرة على الحكومات و لم تكن بأيديهم الأسلحة و القدرات بل كانو محلا لهجوم غيرهم و مع ذلك بقي علم أهل البيت و ذكر اهل البيت و منهج أهل البيت عليهم السلام و ما ذلك إلا لهذه الجهة التي ذكرناها .
الإمام الباقر صلوات الله و سلامه عليه كان في الطليعة من أئمة الهدى عليهم السلام ممن أثر عنه العلم الكثير و تصدى للإجابة على مختلف الأسئلة المطروحة و كان هذا التحدي هو التحدي الأبرز في أيامه صلوات الله عليه . سوف نورد بعض النماذج من الحوارات و الإحتجاجات التي استطاع فيها الإمام الباقر عليه السلام أن يبين للأمة أن الأئمة هم مرجعها و أنهم إليهم ينبغي أن تصير الأمور و أنهم يستطيعون أن ينقذوها من المآزق الثقافية و الفكرية و هذا ما أشار إليه الإمام الباقر عليه السلام في حديث مروي عنه يقول فيه : مصيبة هذه الأمة بنا عظيمة ، فهم لا يأتونا إلينا ، و إذا تركونا لا يجدون الهدى عند غيرنا . من جهة لا يجدون الهدى الكامل عند غيرنا و من جهة آخرى لا يأتون فيسلمون إلينا الأمور ، من عنده الهدى و هو الأئمة ليس مرجع الناس ، و من هو مرجع الناس ليس عنده الهدى الموجود عند أهل البيت صلوات الله عليهم . نحن نحمد الله سبحانه و تعالى أن أكرمنا بمعرفة أولياءه و نسأل الله سبحانه و تعالى أن يزيدنا بهم معرفة و أن يجعل ذلك ساريا في نسلنا و احفادنا و اسرنا ، أن لا تنقطع سلسلة الهداية إلى أهل البيت في أي حلقة من حلقات ذرياتنا ، كما ذكرت سوف نتعرض إلى بعض هذه الأمثلة .