هل للعين حقيقة دينية أم لا؟ ثم هل لها حقيقة علمية أم لا؟ لا سيما لدى من يشكك في نسبة على الأقل – إذا ليس في الأصل – وهذا سوف نتعرض إليه أثناء نقاش الأدلة: أن بعض النافين – إما لأصل القضية، وإما لسعة هذه القضية – هؤلاء يقولون: كل شيء صلاحه وفساده له أسباب موضوعية. فالبناية تتأسس على أعمدة وقوائم ونظر هندسي، وتنهار أيضا بناء على ذلك: إما بتفجير، أو تهديم، أو اختلال في الموازين. يقول هؤلاء: نحتاج إلى دليل قوي يقول: أن من أسباب انهيار البناية، أيضا العين. مثلما المتفجرات تهدم، والعامل بقوته الحديدية، يأتي ويضع تلك الآلات التي تهدم، كذلك أيضا العين.
تعطل السيارة كذلك له أسباب موضوعية. لنفترض: سلك مقطوع، أنبوب غير موجود، "فيوز" محترق، إلى غير ذلك. أما أن تكون نظرة شخص هي من الأسباب التي تؤدي إلى تعطل هذه السيارة، فهذا يحتاج إلى دليل قوي.
حمى الولد، أيضا نفس الكلام. حمى الولد معروفة. وهي: عبارة عن رد الفعل الذي يبديه – كما يقول الأطباء – البدن عند مقاومته للفيروسات أو الميكروبات الوافدة. فخطوط الدفاع والمناعة لهذا الإنسان تعلن حالة الطوارئ. فينتج عن ذلك ارتفاع في درجة حرارة البدن. فهل هناك شيء آخر، هو: أن ينظر الإنسان إلى هذا، فيصاب بالحمى؟ هذا يحتاج إلى دليل. وأمثال ذلك مما يقال.
أحدهم يقود سيارته، وقد أخل بقواعد السلامة والقيادة الصحيحة فاصطدم. أما أن يكون هذا بسبب أن إحداهن الأمس قالت عن ابنته أنها ما غابت قط، ثم هذا القول يسبب هذا الاصطدام، فهذا يحتاج إلى دليل قوي؛ حتى يؤمن به الإنسان.
حسنا، لنذهب إلى ما يقوله الدين وما تقوله النصوص الدينية. الذين يتحدثون عن قضية العين، وأن القرآن الكريم أثبتها فيما يقولون، يتمسكون بثلاث آيات، هي الآيات الأساسية. الآية الأولى، هي: آخر آيات سورة الفلق، وهي: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). والآية الثانية، هي: الآية التي تتحدث عن قصة أبناء يعقوب، عندما دخلوا إلى مصر وأمرهم أبوهم ألا يدخلوا من باب واحد، وقال: (يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). فيقولون: أن هذه الآية المباركة أشارت إلى هذا؛ حتى لا يُنظروا بعين ولا يُنضلوا. ولذلك يسمى أحيانا: نضل. فبعض البيئات، تقول: نضله بعينه. أي أصابه وعانه. فقل لهم: ادخلوا من أبواب متفرقة؛ حتى لا تصيبكم العين.
الآية الأولى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، حملوها على أنه: إذا حسد الحاسد، فإنه ينظر المحسود بعينه فيؤذيه. وقد سبق أن تحدثنا في هذه الآية المباركة، وقلنا: لا شيء يثبت هذا المعنى. وإنما الظاهر منها هو الشرور والأفعال التي تترتب على حسد الإنسان، والتي تحدث عنها القرآن الكريم في قضية قابيل، وقضية أبناء يعقوب، بل وقضية إبليس وآدم أيضا، بأن يقوم الحاسد بعمل شرير ينتهي به إلى قتل ذلك المحسود، أو إيذائه، أو ضربه، أو سجنه، أو تشويه سمعته. أو غير ذلك. فنفس هذه الآية، ليس فيها أمر واضح بالنسبة إلى العين. وإذا ثبت موضوع العين، فذاك الوقت تكون أحد الشرور التي يستعاذ منها.
الآية الثانية، فيما يذكرون، وهي آية أبناء يعقوب. فقالوا فيها: لما كانوا سيدخلون إلى مصر وهم في هيئة معينة، وعددهم ١٢ أخا، أو ١١، فسيحسدون ويعانون، يعني: تضربهم عين. ولذلك قال لهم نبي الله يعقوب: لا تدخلوا من باب واحد، وتفرقوا. أي قسموا أنفسكم. كل ثلاثة، أو اثنين، يدخلون من باب مختلفة. وقيل: إن البلدة كان لها أربعة أبواب.