فالذين يخالفون هذا التوجيه. يقولون: لا توجد دلالة واضحة على هذا المعنى من الآية؛ لأن القرآن الكريم قال لهم: ادخلوا من أبواب متفرقة ولا تدخلوا من باب واحد. لماذا؟ هذا لم يتحدث فيه القرآن الكريم. فأن تكون الجهة فيه، هي جهة العين، وأنهم يُنظر إليهم بعين حاسدة وحاقدة وكذا، فيقولون لك: من أين لك هذا؟! هذا تفسير المفسرين. ولا توجد عليه دلالة واضحة من القرآن الكريم.
بل ربما يخطو أصحاب هذا النظر المخالف خطوة إلى الإمام، فيقولون: علام يحسدون أبناء يعقوب؟ وهم - ضمن عرف ذلك الزمان - مجموعة من البداة! آتين من البادية، ومصر مركز حضاري مهم، وغني وثروة في ذلك الوقت. أما أبناء يعقوب فقد جاؤوا من أين؟ (وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ)، أي من البادية، التي فيها عنت، وجوع، وفقر. وفي تلك الفترة بالذات، مر بالبلد قحط أيضا. فالآن مجموعة من أهل البادية قادمين بقليل من أرزاقهم وحبوبهم؛ ليبيعوها من أجل الحصول على قليل من المال، علام يحسدون؟! فهم ليسوا في مقام ذلك، لا من حيث الشكل، كأن يكون عندهم تفوق، ولا من حيث الغنى الكبير، ولا حالة الأبهة، فعلام يحسدونهم المصريون؟
الآن إذا أحد من قرية دخل إلى عاصمة وبلد كبير، فهل أهل العاصمة يحسدون هذا القادم من القرية، وهو فقير! يحسدونه على ماذا؟! لذلك شكك بعض أصحاب النظر في أن تكون الآية واضحة في أن ذلك من أجل ألا تصيبهم العين. إذ يمكن ذلك، ويمكن لا. هذا بخصوص الآية الثانية.
الآية الثالثة، هي الآية التي يخاطب فيها ربنا سبحانه وتعالى نبيه محمد (ص) بقوله: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ). بمعنى: أنه هؤلاء الكفار بأبصارهم، بعيونهم، يكادون ليزلقونك، أي: ليهلكونك. يورطونك. بماذا؟ بالأبصار. فإذا كان كذلك. يقول لك: هذا يبين أن للعين تأثير، وبالتالي القرآن الكريم يتحدث عن سعي الكفار في إصابة النبي (ص) بالعين.
وإذا ضم إلى هذه ما قاله بعض المفسرين من أن بني أسد، كانوا معروفين بالعين، فلو وجه أحدهم عينه إلى شيء مثلا، يتأثر ذلك الشيء. ويقولون: لو أحدهم جُوِّع لثلاثة أيام، فإذا طلع بعد ذلك، يكون مذ ينظر إلى شيء – حسب التعبير – يلقيه على يمين. فتصور لو فُعل هذا بواحد لثلاثة أيام، ثم خرج وبدأ ينضل هذا بعين، وهذه الشجرة بعين، وتلك البناية بعين، وما شابه ذلك، وأنت ترى ما الذي يحدث. فقالوا مثلا لبعض بني أسد: أنه تعالوا وانظروا بعينكم النبي (ص)، فتحدث عن هذا القرآن الكريم.
وهذه الآية المباركة يُحتمل أن تكون بالفعل ناظرة إلى هذا. ويحتمل - كما رأى بعض الباحثين - أن تكون تعبيرا كنائيا مستعملا عند العرب. فمثلا، عندما ينظر شاب إلى امرأة نظرة شهوية محرمة. تأتي أنت وتقول له: قليلا وتأكلها بعينك. هذا تعبير مستخدم. غير أنه لا يوجد أكل بالعين. لكن هذا النظر الحاد الشهوي يعبر عنه بهذا التعبير. أو تلاحظ أحدهم بغضب. أي أنت غاضب عليه الآن وحانق. فيقول لك أحدهم: إنك تحرقه بعينك. ففي الحقيقة لا يوجد إحراق بالعين، لكن هذا تعبير عن ماذا؟ عن أن نظرتك إليه نظرة مبغض، حاقد له. وأمثال ذلك. ففي جانب الإيجاب يقول هذا الأمر: تضمه بعينك، وتدخله في عينك، وفي جانب السلب: تأكله بعينك أو تحرقه بها. وهذه كلها تعبيرات موجودة.
كذلك هنا، يريدون أن يزلقوك بأبصارهم، يعني: لما ينظرون إليك نظرة مقت وكراهية، ولو أمكنهم أن يزيلوك عن الوجود، لفعلوا. وقد نقل عن ابن عباس، لما مر على جماعة يسبون أمير المؤمنين (ع) ورد عليهم، فنظروا إليه شزرا. أي: بامتعاض، أنه: لماذا أتيت ودافعت عن علي بن أبي طالب، وقلت: إن من يسب عليا فقد سب الله وسب رسوله! فذلك يشبه هذا، إذ يقول: "نَظَرُوا إِلَيهِ بِأَعْينٍ مُزَوَّرَةٍ نَظَرَ التِّيُوسِ إِلَى شِفَارِ الجَازِرِ". فالتيس عندما ترى السكين بيد الجازر، لا تنظر إليه نظرة ترحيب، وإنما نظرة مقت وغضب. ولو تقدر على أن تهاجمه، لهاجمته. أنتم أيضا نفس الشيء.