فهذه مقدمة تشير إلى أن الإنسان إذا فكر هذا التفكير، أنه دائما هو محسود، ودائما محل نظر الآخرين، ومحور تفكيرهم، فهذا يعاني من مشكلة نفسية أخرى، ويحتاج إلى أن يعالج نفسه من مرض النرجسية، والاعتداد بالذات، حتى لو ما كان عنده شيئا. فأحيانا الإنسان ما عنده شيء. مع ذلك، يتصور نفسه محور هذا المجتمع. والناس شغلهم فقط يراقبونه ويلاحظونه ويحسدون فيه. تخلص من هذه الحالة النرجسية. قيم نفسك بقيمتها الحقيقية. اعرف حجمك الحقيقي. الناس مشغولون بأمورهم الخاصة التي بالكاد يتمونها. فضلا عن الذين يذهبون لحسد زيد وعبيد. وحتى لو فرضنا أنه صار حسد، فلا أثر له كما بينا في المقدمة التي ذكرناها عن الشهيد الثاني رضوان الله عليه.
يؤيد هذا، كما ذكرنا، أن الإنسان يحب عادة أن ينسب الأمور إلى غير أسبابها الحقيقية. لماذا أنا فشلت في زواجي؟ لا يقول: لأن في أخلاقي زفرة. لا يقول: لأني لا أملك ثقافة زوجية. لا يقول: لأنني لم أدبر الأمر. بل يقول: جماعة رأونا فحسدونا، وانتكست أحوالنا. هذا أسهل شيء. لا أن نُرجع الأمور إلى أسبابها الحقيقية.
انظر القرآن الكريم، حتى في كلامه مع المسلمين، يقول لهم: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) ليس بسبب أن غيركم حسدوكم. أنتم انهزمتم، لما كان عندكم من إعجاب بالذات فما قاتلتم القتال الصحيح، ولا صمدتم؛ لذلك انهزمتم. أما أنه أحدهم حسدني، وأحدهم كذا، فعل لي، لذلك انهزمت، لم يقلها القرآن الكريم.
فإذن، ينبغي أيها الأحباب، أن لا يفكر الإنسان، وأن لا يكون مسكونا بهاجس المحسودية. أنه أنا محسود، ولذلك أصبحت أعاني من هذه المشاكل. لا. أنا أعاني منها؛ لأني لم أرتب أموري بالشكل الصحيح: في عملي، وتجارتي وزواجي، ودراستي ووظيفتي، وأمثال ذلك.
فإذن، عُرِف الجواب: هل نحن محسودون؟ الجواب على ذلك: ٩٩% كلا. وعلى فرض أن إنسانا حُسِد أيضا، فهذا الحسد بما هو تمني لزوال نعمته، ليس له أثر على الإطلاق. أي مجرد أن أحسد زيد على نعمته، ووظيفته، ووجاهته، وزوجته، وثروته، وغير ذلك، فحسدي هذا لا يؤثر في شيء أبدا. هذا جواب على السؤال الأول: هل نحن محسودون أم لا.
السؤال الثاني: هل نحن حاسدون؟ إذا ليس محسودا، أنا حاسد، أم لا؟ لا أحد يقبل أن يُتهم بمثل هذا الأمر. فلو تقول لأحدهم: أنت حسود، تكون مشكلة. فهل يمكن للإنسان أن يتهم نفسه؟ يتساءل: هل أنا حاسد أم لا؟ لا تحتاج إلى أن يتهمك أحد، ولا أن تتهم نفسك. فهناك مقاييس، إذا طبقها الإنسان، ورأى النتائج إيجابية، فمعنى ذلك هو مصاب، ليس بالسكلسل أو الثلاسيميا، وإنما بالحسد.
نذكر بعض المقاييس. المقياس الأول: مقياس الغيرة التي هي منشأ للحسد. إذا أحد كان يغار من شخص ولا يسيطر على غيرته، هذه بداية أن يكون هذا الإنسان حاسدا. وهنا أشير إلى أمر تربوي مهم، وهو: أنه أحيانا نحن نربي خصلة الحسد، ونبذر بذرته في نفوس أبنائنا وأطفالنا، من دون شعور.
مثلا: عندما يأتي ابننا إلى البيت، وقد انتهى من الامتحانات، لكن لم يحصل على الدرجة الكاملة أو التفوق. وفلان زميله، حصل على ذلك. نقول له: لماذا فلان أحسن منك؟ ماذا ينقصك أنت؟ لماذا لا تصبح أحسن منه؟ ماذا عنده هو وليس عندك أنت؟
الواقع، أنا هنا قصدي أن أشجعه كي يتفوق، لكن هذا الأسلوب يصنع فيه الحسد. أنا أصنع فيه الغيرة من زميله، إذ مدحته ولم أمدح ابني. والابن قد لا يكون ذا قدرة على منافسة ذاك. قد تكون قدراته الذهنية غير وافية، أو عنده أسباب خاصة، أو مستوى ذكاء ذاك أكثر. فلا يقدر على منافسته. فماذا يصنع هنا؟