هل نحن حاسدون أو محسودون ؟ ٨

هل نحن حاسدون أو محسودون ؟ ٨
00:00 --:--

سلسلة الأمراض الأخلاقية

هل نحن حاسدون أم محسودون؟

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد

وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين

السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته

قال الله العظيم في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ. وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.

لا يزال حديثنا حول هذا الخلق الذميم، وهو: الحسد، بمعنى تمني إنسان زوال نعمة الغير عنه. وقد سبق أن ذكرنا أن الشر المقصود به في هذه الآية، والذي يتم الاستعاذة بالله منه، ليس ناشئا عن نفس الحسد، وإنما هو ناشئ عن أفعال الحاسد. فإن بعض الحسدة عندما يتمنون زوال نعمة إنسان، يقومون بأمور وأعمال شريرة: كتشويه سمعة هذا الإنسان، أو الافتراء عليه، بل وربما التخلص منه. وهذا ما تهدينا إليه قصة إبليس مع آدم، عندما حسده. وقصة قابيل وهابيل، عندما حسده. وقصة أبناء نبي الله يعقوب. وإلا فمجرد الحسد، بما هو صفة ذميمة، بما هو تمن لزوال النعمة، ليس له أثر أصلا على الإنسان المحسود.

ننقل هنا كلمة لأحد كبار أعلام الإمامية، وهو: الشهيد الثاني - رضوان الله تعالى عليه - صاحب شرح اللمعة الدمشقية، المتوفى شهيدا سنة ٩٦٥ هـ، يقول في بعض كتبه الأخلاقية: "وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه"، يعني: من قبل الحاسد، "فواضح.". مع أن قسما من الناس في هذه الأزمنة، يتصوروا: ما دام حسده، فلسوف يتأثر في دنياه: تُسلب أمواله، يتعثر زواجه، تتعثر دراسته.

الشهيد الثاني، وهو من كبار علمائنا وفقهائنا، يقول: لا يوجد أثر - لا على دين المحسود ولا على دنياه - بمجرد حسد الحاسد، ويقول: هذا الأمر واضح. لماذا؟ "لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله تعالى له من إقبال ونعمة. فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله تعالى". الله قدر لك السعادة. ولو اجتمع كل البشر على حسدك، ليس واحدا فقط، ما أثروا عليك بشيء. قدر لك نعمة، لو صفوا طابورا، وكان شغلهم الوحيد من الصباح إلى الليل أن يحسدوك، ما أثر ذلك في نعمة الله عليك. "فلا حيلة في رفعه. وإن كانت قد حصلت لسعيه من علم أو عمل فلا حيلة في دفعه أيضا". إن كان من جانب إلهي: الله مقدر إلى شيء معين، فلا تقدر أنت الحاسد أن تغيره. فإذا، لا، كان ذلك بسعي الشخص نفسه، جد واجتهد حتى حصل على الأموال، فلا تقدر أنت أن تأتي، وأن تغير نعمة الله عليه بحسدك. جد واجتهد حتى حصل على المراتب العلمية، فلا تستطيع بمجرد أن تتمنى زوال هذه النعمة عنه، أن يتغير عليه الحال. هذا وهم. "بل ينبغي"، يخاطب الحاسد، "بل ينبغي أن تلوم أنت نفسك، حيث يسعى المحسود. وصَّل وقصَّرت، وشمَّر وكسلت، وسهر ونمت وكان حالك كما قيل: هلَّا سعوا سعي الكرام فأدركوا.. أو سلموا لمواقع الأقدار".

أنت أيضا، لو اشتغلت وعملت، لوصلت إلى نفس ما وصل إليه. هذه نقطة - التي بعدها - يشير إليها، هي نقطة مهمة. يقول: "فلو كانت النعم تزول بالحسد، لم يبق نعمة عليك ولا على الخلق". لو أن كل واحد يأتي، ويطالع إنسانا، ويحسده، فتزول نعمته. ثم يذهب للثاني، يطالعه أيضا، ويحسده، فتزول نعمته. ما تبقت نعمة لأحد. بمعنى: لو كل صاحب نعمة من الممكن أن يُحسد. ولو كان بمجرد الحسد زالت النعمة، كأن: أنا أحسده، ثم آخر يحسده، ثم ثالث أيضا، ما تبقى عنده شيء. فكل أصحاب النعم إذن، لا تكون لديهم نعمة. هذا خلاصة لما قاله الشهيد الثاني رضوان الله عليه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة