وحديثنا في هذا اليوم، يتناول موضوع الحسد، أجارنا الله وإياكم والسامعين منه. الحسد من الصفات النفسية التي قد تتحول إلى شيء خارجي، ممارسة لسانية، أو ممارسة فعلية. جوهر الحسد، هو: أن يتمنى شخص زوال نعمة غيره، إما لتصل إليه، أو أن تزول حتى لو ما وصلت إليه. فالمهم: أن تزول. فهذا في رأيه لا يستحقها. "كيف أعطاه الله هذا المال؟"، " كيف أعطاه الله هذه الثروة؟"، " كيف أعطاه الله هذا الجاه الاجتماعي؟"، "كيف أعطاه الله هذا العلم؟"، "كيف أعطاه الله هذه النعم؟"، هو لا يستحقها. لو كان الأمر بيده لحجبها عنه.
وهذا يختلف عن الغيرة. قسم من الناس - أحيانا - يخلط بين الغيرة وبين الحسد. هناك فرق دقيق بينهما: الغيرة هي: أن إنسانا يملك شيئا ويخشى من مشاركة آخرين له في هذا الشيء. على سبيل المثال: زوجة، تظن أنها تملك زوجها. فإذا جاءت امرأة أخرى، تعتبر أن هذه الأخرى تشاركها فيما تملك، فتغار منها، وتتخذ منها موقفا سلبيا. الأخ – على سبيل المثال – يتمنى أن يصل إليه ميراث والده. فإذا جاء له أخ، يعتبر أن هذا الأخ سيشاركه في ذلك الميراث، الذي كان سيصل إليه وحده، أما الآن فهناك مزاحم له فيه، فيغار منه. ولد كان يتمتع بمشاعر وعواطف أمه وأبيه. حتى رُزقا بولد آخر. الآن هذا الولد الآخر، سوف يشارك أخاه في تلك العواطف التي يتصور أخوه أنها ملكه الخاص، فالحنان لا بد أن يكون كله إليه، فإذا أتى واحد، أو توأم، يصبح الأمر مقسما على أفراد متعددين؛ ولذلك يغار منهم. وهكذا. هذا الطرف الغائر له علاقة ولو بدرجة من الدرجات، بهذا المال أو بهذه العواطف أو ما شابه ذلك. فيعتقد أنه يملكها.
لكن هذا الحاسد أسوأ حالا. إذ ليس له أي ارتباط مع مال زيد. لا أبوه قسمه بينهما، ولا مرت عليه. ذاك من عشيرة وهذا من عشيرة، ذاك في بلد وهذا في بلد. لا رابطة بينهما، مع ذلك ينفس عليه ويصعب أن يحظى هذا بمال وهو محروم منه، يحظى بزوجة جميلة مطيعة وهو لا يملكها. فيتمنى لو زالت هذه النعمة منه. وهو – أي الحسد - على درجات.
الشهيد الثاني أعلى الله مقامه، أحد كبار علمائنا من جبل عامل، له تأليفات عظيمة جدا، ويعد من أعلم علماء الإسلام، من أعلم علماء الطائفة، وله كتب متنوعة، كثيرة جدا، ونافعة جدا، والذين يدرسون في الحوزة العلمية يعرفون مرتبة الشهيد الثاني من الناحية العلمية.
له كتاب – من جملة كتبه – جُمع بعنوان: رسائل الشهيد الثاني. فيه رسالة بعنوان: كشف الريبة في أحكام الغيبة. هناك ذكر أن الحسد من مسببات الغيبة. فبحث شيئا ما عن موضوع الحسد الذي قد يسبب غيبة. فمثلا: أنت تذكر إنسانا بكلام حسن: "ما شاء الله، فلان، الله وفقه، جمع له مالا وعمل خيرا لآخرته، صنع كذا وكذا وكذا"، هذا الإنسان الذي يريد أن يغتابه، أي الحاسد له، ماذا يقول؟ يقول: "مو المهم الواحد أن يعطي فلوس، المهم أن يكون صافي النية"، معنى ذلك ماذا؟ أن ذاك ليس صافي النية. تقول: "ما شاء الله، فلان، رجل، عالم، فقيه، عنده مخزون علمي كبير، قاعد ينفع المجتمع، طيب"، فيأتي لك ذلك الحاسد بإشكال من نوع آخر، "إيه لكن تقليده كذا وكذا"، هذا في الواقع الذي يحركه على الغيبة، ماذا؟ حسد منه. فيذكر هناك – أي في كتاب الرسائل - الشهيد الثاني رضوان الله تعالى عليه، درجات ومراتب الحسد. وهي درجات جدا دقيقة وجميلة. أنقلها عنه رضوان الله عليه، يقول: "للحسد، أربع مراتب"، أربع درجات، "الأولى: أن يحب زوال النعمة"، أي الحاسد، "أن يحب زوال النعمة عن المحسود وإن كانت لا تنتقل إليه"، المهم: أن يخسر صاحب المال في الأسهم للحد الذي يضرب فيه رأسه بالأرض. أنت ماذا تستفيد من هذا؟ ليس مهما أن يستفيد هو شيئا، المهم: أن يخسر ذاك وتزول النعمة عنه. يرى شخصا عنده زوجة صالحة، فيتمنى لو تموت تلك بالسرطان. ذلك الحين علام تحصل أنت؟ ماذا تستفيد؟ لا شيء. ولكن المهم أن ذلك الطرف المحسود يفقد تلك النعمة. يقول: "وهذا غاية الخبث وأعظم أفراد الحسد". يتمنى زوال النعمة حتى لو لا يصل شيء منها إليه. حتى لو تلك الزوجة لفلان، لو تموت، لا يحصل له الزواج منها، مع ذلك هو يسر بذلك ويرتاح. يتمنى لو يخسر فلان أمواله التي لو خسرها لن تأتي إليه، بل ستذهب لغيره، مع ذلك يتمنى. يتمنى دكان علان يحترق، متجره يتدمر، ليتدمر حتى لو لن يحصل هو على شيء. وهذا أعظم أنواع الحسد خبثا. ويكشف عن نفس مريضة للغاية. هذه هي المرتبة الأولى، "التوب" في الحسد، كما يقولون.