عفة اللسان وبذاءته ٢

عفة اللسان وبذاءته ٢
00:00 --:--

لكن أحيانا نفس هذا اللسان، إذا طرأت عليه آفة، تصفه الأحاديث: بأنه "سَبُعٌ إِذَا خُلِّيَ عَقَرَ". لاحظ كيف إذا كان الحيوان مفترسا ومتوحشا فبمجرد أن تفتح له القفص وترفع عنه الحديد يفترس الآخرين ويعقرهم، كذلك اللسان. فيمسي ذلك اللسان الذي يستوجب الإنسان به الجنة، سَبُعًا متوحشا مفترسا.

ومن تلك الآفات، آفة: بذاءة اللسان، وفي مقابلها من الأخلاق: عفة اللسان. تارة يكون الإنسان عفيف اللسان، وأخرى يكون بذيء اللسان. وينبغي للإنسان في كل الأوقات أن يختبر نفسه. هناك قسم من الناس يقول: "استفزني فأنا سبيته وشمته"، هو هنا يتبين هل عندك عفة أم - ذاك البعيد - عندك بذاءة. أما إذا كان أحدهم جالسا ومرتاحا وشبعانا ونفسيته من أحسن ما يكون، فلا يُتوقع منه بذاءة. متى يُلاحظ أن هذا الإنسان عفيف اللسان، عندما يُستفز، يُغضب، يُستدرج من خلال المواقف، هنا يتبين هل يحفظ لسانه ويحافظ على عفاف كلماته؟ أو - ذاك البعيد – يطلقها. إنها ترمي عليهم بشرر كالقصر، كما في الآية المباركة.

لذلك وردت الروايات عندنا محذرة ومستنكرة على الإنسان البذيء في لسانه. سوف نعرض ماذا يعني أن يكون الإنسان بذيئا. ففي الحديث عن نبينا المصطفى محمد (ص) أنه قال: "إِنَّ اللهَ لَيَبْغُضُ الْفَاحِشَ البَذِيءَ". الله سبحانه وتعالى يكره هذا الإنسان، يبغضه، حتى وإن كان مسلما، ومقيما للصلاة، لكنه فاحش الكلام، بذيء اللسان، غير محترم التعابير. هذا مبغوض عمله عند الله سبحانه، وقد يسري بُغض عمله إلى بغضه ذاته. أي أن الله يبغض هذه الذات. يبغض هذا الإنسان نفسه وليس يبغض فقط عمله البذيء. وتجده في حديث عن الإمام علي (ع) موصوفا بالسفه. يقول (ع): "أَسْفَهُ السُّفَهَاءِ الْمُتَبَجِّحُ بِفُحْشِ الْكَلَامِ". هنا قسم من الناس – نعوذ بالله منهم – يمد خطوة إلى الأمام، فلا يخطئ فقط بلسانه، ويكون كلامه سيئا، بل يفتخر بذلك، ويتبجح به. يقول لك: "غسلته غسل، ما خليت أب ولا أم ولا فوق ولا تحت إلا وجبته"، هذا يعبر عنه الإمام (ع) بأنه: "أَسْفَهُ السُّفَهَاءِ". السفه: هو مرتبة جدا نازلة، فكيف إذا المرء كان: "أَسْفَهُ السُّفَهَاءِ".

وهناك روايات أخر، وممارسات أيضا. قيل إن الإمام الصادق (ع) كان له صديق مقرب منه إلى حد أن تقول الرواية عنه: "لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ إِذَا ذَهَبَ مَكَانًا"، أينما يذهب الإمام الصادق، يذهب معه، يرافقه، قريب منه، يقول: فبينما هو يمشي في السوق ومعه غلام سندي – ليس عربيا – يمشي خلفهما – أي خلف الإمام وخلف سيده، السيد هو هذا الصديق، صديق الإمام – فالتفت الرجل فلم يجد غلامه وراءه. المفروض – بحسب رأي السيد – أن يظل غلامه وراءه لو احتاج إلى حاجة. لكنه التفت يريد غلامه لثلاث مرات فلم يجده. فلما نظر في الرابعة وجده – نفترض: أن الغلام تأخر عن سيده بسبب زحام المكان - فقال له: "يَا بْنَ الْفَاعِلَة، أَيْنَ كُنْتَ؟".

"يَا بْنَ الْفَاعِلَة"، تعبير في اللغة العربية: يعني اتهام بالزنا لأم هذا الرجل، هذا الغلام. فرفع الإمام الصادق (ع) يده فصكه في وجهه، ثم قال: "سُبْحَانَ اللهِ! تَقْذِفُ أُمَّهُ. قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ وَرَعًا، فَإِذَا لَيْسَ لَكَ وَرَعٌ". هل يستحق الأمر أن تلقبه بهذا اللقب؛ لأنه – مثلا – تأخر عنك وعن ناظرك لبرهة من الزمن، على أثر زحام الطريق أو غير ذلك! "يَا بْنَ الْفَاعِلَة"! أنا كنت أتصور أنك إنسان ورع، الورع: ليس أن تمشي الهوينة. الورع: أن تمسك لسانك عن الفحش، ويدك عن الاعتداء، وقلبك عن الحقد. هذا الورع. "فَإِذَا لَيْسَ لَكَ وَرَعٌ. فَقَالَ:" – الظاهر أن ذاك أيضا من أولئك الناس الذين لديهم – فوق ما لديهم من شين - قوة عين. فبدل أن يقول: أنا آسف، أستغفر الله من مثل هذا الأمر. لا، يقول: "جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ إِنَّ أُمَّهُ سِنْدِيَّةٌ مُشْرِكَةٌ". هي إحدى المشركات، فقال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ نِكَاحًا"، هذه امرأة تزوجها أبوه ضمن قانونهم. وإن لم يكن قانونهم متفق مع قانوننا، ولكنه النكاح الموجود عندهم، "لِكُلِّ أُمَّةٍ نِكَاحًا. تَنَحَّ عَنِّي". الإمام يقول له ذلك. أي لا ترافقني بعد هذا. قال الراوي: "فَمَا رَأَيْتُهُ يَمْشِي مَعَهُ حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا". فالإمام يرافقه المتورعون، وذاك ليس غير متورع فقط، بل ويبرر عمله السيء أيضا. مثلا أحدهم يسب شخصا، فتقول له: "لا، ما يناسب منك هذا". يقول لك: "يستاهل". هذه الثانية أسوأ من الأولى/ المسبة؛ لأنها تبرير للخطأ بأمر غير صحيح.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة