عفة اللسان وبذاءته ٢

عفة اللسان وبذاءته ٢
00:00 --:--

الزبرقان تأذى منه - وكان الزمان وقتئذ زمان الخليفة الثاني - وعرِف عنه سلاطة لسانه، وأن شعره يبقى ويذهب. فاشتكاه عند الخليفة الثاني: أن هذا يهجوني، يتحدث فيَّ، يُعَلِّمُ عليَّ. فلم يتبين للخليفة الثاني - لما قرئ عليه هذا البيت – أهو مدح أم هجاء. فهذه فنون. الرسم مثلا، قد يأتونك برسم معين سريالي، فتقول: "هذي خرابيش حتى عشرة أريل ما أشتريها". فيقال لك: "عمي هذا رسم فلان فنان، معروضة بخمسين مليون"! فالمسألة بحاجة من عنده الخبرة. فحُكِّم حسان بن ثابت الشاعر القدير، فَسُئل: هل هجاه؟ أي بهذا البيت. قال: لا. أجلكم الله، سلح عليه. سلح عليه يعني: ذهب إلى الحمام وفعل ما فعل. إشارة إلى غاية الإقذاع في هذا الشعر، وأمثاله.

وكان – شاعر الهجاء ذاك - معروف بهجائه إلى حد أنه حتى أمه هجاها، فقال: "أغربالا إذا استُودعتِ سرا .. وكانونا على المتحدثين" الكانون: هو الشخص الثقيل الذي يقتل الإنسان بثقله. أي أنت إذا أعطاك أحدهم سرا، فكالغربال، والمصفاة، يوضع من ناحية ويتسرب من أخرى. وكانونا: أي ثقيلة ظل، وبلغت الغاية من ثقلها على المتحدث. "جزاك الله"، يقول، انظر كيف هذا اللسان، سبحان الله، إذا ما عف الإنسان لسانه، وأصبح تكسبه به، ماذا ينتج! "جزاك الله شرا من عجوز .. ولقاك العقوق من البنين"، "حياتك ما علمتُ حياة سوء .. وموتك قد يسر الصالحين".

هذا هجاؤه لأمه، وقد هجا والده أيضا، والده المفترض، لأن والده الحقيقي غير معروف. حتى جاء اليوم الذي جلس فيه صباحا وقال: "أبت شفتاي اليوم إلا تكلما .. بهجو فما أدري لمن أنا قائله". أي صحوت صباح اليوم لأهج أحدا، لكن لا أعلم من. فنظر في المرآة أو في الماء، فرأى وجهه، وقال: وجدته. فبدأ يهجو نفسه: "يا وجها شوه الله خلقه .. فقبِّح من وجه وقبِّح حامله".

لاحظ أنه بدأ بهجو غيره؛ لأنه لم يعطه ما رام من مال. ثم هجا أمه، ثم أباه، ثم نفسه. فإذا تعود الإنسان على بذاءة اللسان وبرر لنفسه بذاءته: "أنا كنت في حالة غضب"، "ما أعطاني هذا الشيء اللي أبغاه"، "ما سوا لي كذا"، "أنا كنت فعل"، هذه كلها تبريرات غير صحيحة وغير سليمة. بئس الإنسان الفاحش المتفحش. يقول النبي: "إِنَّ اللهَ لَيَبْغُضُ الْبَذِيءَ الْفَاحِشَ، وَأَسْفَهُ السُّفَهَاءِ الْمُتَبَجِّحُ بِبَذَاءَةِ اللِّسَانِ"، كما في الحديث.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا عفة اللسان وعفة الجنان وعفة اليدين إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة