سلسلة الأمراض الأخلاقية
عفة اللسان وبذاءته
كتابة الاخت الفاضلة أمجاد عبد العال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد
وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين
حديثنا في هذا اليوم يتناول موضوع عفة اللسان وبذاءته. في هذا الموضوع - موضوع عفة اللسان وبذاءته - لا بد من مقدمة تشير إلى أن الخير الذي يصل إلى الإنسان من خلال لسانه خير لا حدود له. العبادة إنما يكون جزؤها الأكبر من خلال حركة اللسان. أنت تصلي، كل هذه الصلاة بما فيها من حركات وأفعال لا بد أن يرافقها حركة لسان. تكبيرة الإحرام لا تحصل إلا بحركة اللسان، وقراءة الفاتحة والسورة كذلك، وذكر الركوع والسجود كذلك، والدعاء في القنوت والاستغفار كذلك. فالعمدة الأصلية في هذه الصلاة حركة اللسان.
إذ لو فرضنا أن إنسانا صحيح اللسان ناطقا بالكلام تحرك هذه الحركات من دون أن يحرك لسانه، لم تكن تلك صلاة. وهكذا مثل قراءة القرآن. من الواضح أن قراءة القرآن هي بتحريك اللسان، وليست فقط بالنظر. التلاوة إنما تتحقق بتحريك لسانك. حتى في الصلاة الإخفاتية لا بد أن تحرك اللسان. فلو أن إنسانا أمرَّ في ذهنه سورة الفاتحة - في الصلاة الإخفاتية - من دون أن يحرك لسانه، لم يكن قد قرأ الفاتحة. هذا في العبادة. وفي العلم أيضا، فهو إنما ينتقل في جزئه الأعظم بالتعليم، والتعليم راجع إلى النطق واللسان. الآن الطالب من الابتدائية إلى ما بعد الجامعة يحتاج إلى معلم ناطق متكلم؛ حتى يتعلم.
ذكر الله عز وجل كذلك. حاجات الإنسان في الحياة اليومية، تجارته، غالبا تقوم على أساس حركة اللسان. ولذلك فلا مقارنة بين نعمة اللسان إذا خلا من الآفات، وبين ما يقابل اللسان والنطق وهو السكوت. ولذلك ورد في الحديث عن إمامنا زين العابدين (ع)، أنه لما سئل عن الكلام والسكوت، أيهما أفضل؟ هل الأحسن أن يتكلم الإنسان أو يسكت - الشائع عند الناس، إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. لكن هذا ليس صحيحا على إطلاقه - فأجاب (ع) بقوله: "لِكُلِّ مِنْهُمَا آفَاتٌ، فًإِذَا سَلِمَا مِنَ الآفَاتِ، كَانَ الْكَلَامُ أَفْضَلَ مِنَ السُّكُوتِ". السكوت له آفات وسلبيات، والكلام له كذلك. فإذا ارتفعت عنهما وفرغا منها، كان الكلام خيرا من السكوت. كيف؟ "قِيلِ: كَيفَ ذَلِكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْصِيَاءَ بِالسُّكُوتِ". بعثة نبينا المصطفى محمد (ص) أنه جاء بشيرا ونذيرا. والتبشير والإنذار إنما هو من خلال الكلام، من خلال اللسان. أما لو فرضنا أن نبيا جاء وجلس ساكتا، كيف يهدي الناس؟ وكيف يعظهم؟ وكيف يعلمهم؟
وهكذا ما بلغ إلينا من علم أمير المؤمنين (ع)، الذي وصل إلينا قسم منه في نهج البلاغة، لم يأت بالسكوت، وإنما أتى من خلال الكلام واللسان. يقول الإمام (ع): "إِنَّمَا بَعَثَهُم بِالْكَلَامِ وَلَا اسْتُحِقَّتْ الجَنَّةُ بِالسُّكُوتِ". الجنة مهرها الذكر، سواء الذكر القلبي: أي تذكر الله عز وجل، أو الذكر اللساني واللفظي، كقول: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الصلاة على النبي، وأمثال ذلك. هذه كلها إنما تكون من خلال الكلام واللسان. "وَلَا اسْتُحِقَّت الجَنَّةُ إِلَّا بِالْكَلَام، مَا اسْتُحِقَّتْ بِالسُّكُوتِ، وَلَا اسْتُوجِبَتْ وَلَايَةُ اللهِ بِالسُّكُوتِ، وَلَا تُوقِّيَت النَّارُ بِالسُّكُوتِ، إِنَّما ذَلِكَ كُلُهُ بِالكَلَامِ".
فإذن، هذا اللسان الذي فضِّل به - أحد أنحاء تفضيل الإنسان على الحيوان: العقل، وأحد أنحاء تفضيله: اللسان الناطق الذي ينقل العلم والمعرفة، الحيوان لا يستطيع أن يصنع ما يصنع الإنسان. الجنة باللسان، البعثة من قبل الأنبياء وبلاغها شرائع الله عز وجل إنما هو من خلال اللسان. والجنة كذلك، واجتناب النار كذلك. هذا إذا خَلِيَ من الآفات.