فالسؤال الذي يتباذر إلى الذهن هنا بأنه ما الداعي إلى أن أبي موسى الأشعري يترقب ويتحسس ويسأل هن من أحد غير القوم معهم؟، يتبين هنا بأنه توجد خشية من أن يصل هذا الكلام إلى خارج هذه الدار أو إلى خارج هذه المجموعة، ويضيء إضاءة إلى أن السلطة الزمنية في ذلك الوقت كانت لا ترضى بأن تشاع قضية المسح على القدمين والمسح على الرأس وأن هذا من وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأوضح من ذلك كلام ابن عباس، فعبد الله بن عباس كان في زمان الخلفاء شخصاً معتبراً وهو رجل هاشمي مطلبي قد أخذ العلم من أمير المؤمنين عليه السلام وفي زمان الخليفة الثاني كان يقدمه على من هو أكبر منه سناً، فقد كثر عنه الحديث: (أنه يأبى الناس إلا غسل القدمين ولا أجد في القرآن إلا مسحهما)، فليس المقصود هنا بالناس العاديين بل الذين لهم نوع من النفوذ والقوة أو ما شابه ذلك ولهم حق الإباء.
رأينا على مستوى الآية المباركة أنه لكي تتناسب مع كلام أتباع مدرسة الخلفاء فإنها تحتاج إلى تعسف وتكلف حتى تنسجم الآية مع قضية غسل القدمين، وأن هذا العطف البعيد وتقديمه على العطف القريب يحتاج إلى مؤونة وتكلف في الدليل، أيضاً على مستوى الروايات فقد قيل أنه بداية الحديث عن قضية غسل القدمين وما يرتبط بها كان في زمان الخليفة الثالث دونما سبقه من الأزمنة ومنحصر في مجموعة محددة وفيه إشارة إلى أن السلطة الزمنية تقف وراء هذا بنحو من الأنحاء.
فيما يرتبط عن الروايات التي رويت عن آل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ننقل منها عدة روايات:
الرواية الأولى: ما نقل عن أبي عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وهو عن سند صحيح، فيقول داؤود بن فرقد: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول أن أبي كان يقول: أن لوضوء حداً من تعداه لم يؤجر، فقال له رجل: وما حده؟، فقال عليه السلام: تغسل وجهك ويديك وتمسح رأسك ورجليك)، نجد أن الإمام الصادق عليه السلام يستشهد بأبيه الباقر عليه السلام مع أن كلاهما إمامان معصومان والسبب هنا لأن الطرف الآخر من مدرسة الخلفاء يقبل كلام الإمام الباقر ويعتبر أن رواياته مسندة إلى رسول الله من خلال جابر بن عبد الله الأنصاري، فقد كان الإمام الباقر عليه السلام يكثر من التردد على جابر في أواخر حياته بعد أن بشره وبلغه سلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا له أثر بأن أتباع مدرسة الخلفاء كانوا يرون بأن الإمام الباقر يمكن أن يروي عن رسول الله بسند متصل لأنه أدرك واحداً من أصحابه وسمع منه، فقد يكون لهذا السبب كان استشهاد الإمام الصادق عليه السلام بأبيه الإمام الباقر.
الرواية الثانية: أن الإمام الباقر عليه السلام أخذ نفس الرواية التصحيحية التي يمارسها الخليفة الثالث فقد استخدم في تصحيحه نفس الطريقة وكان يقول لمن يحضره من الناس: (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالوا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء ثم غرف بيمينه ملأها فوضعها على مرفقه اليسرى حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يسراه وبلة يمناه)، فهذا هو صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكثير من الأحاديث بهذا المعنى.
فالإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهو الملازم لرسول الله صلى الله عليه وآله كان كثيراً ما يقول: (لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن القدم أولى من مسح ظاهرها، لكن رأيت رسول الله في الوضوء يمسح على قدميه وأنا على أثره حذو القذة بالقذة)، وذلك لأن التي تتسخ عادة هي باطن القدم وليس ظاهرها، فلو كانت المسألة مسألة آراء واستحسانات لكان الأولى مسح باطن القدم، ولكن هنا يشير إلى أن هذه الأمور هي أمور تعبدية ولا معنى لأن نقول أن غسل الرجل أفضل من مسحها.