الوضوء كما يصفه القرآن

الوضوء كما يصفه القرآن
00:00 --:--

لو قلنا بناءً على أنها مجرورة (أرجلِكم)، فالقضية جداً واضحة في أن المسح كما هو للرأس أيضاً هو للأرجل، لكن بناءً على القراءة الثانية التي هي القراءة المتداولة الآن بالفتح (أرجلَكم) فإن علماء اللغة العربية قاطبة سنة وشيعة يقولون أن العطف هنا عطف ليس على اللفظ وإنما على المحل، ومعنى ذلك عندما يقول وامسحوا برؤوسِكم أي معناها الواقعي هو المسح على الرأس، لكن عندما نعطف الأرجل عليها تكون تارة معطوفة على اللفظ (رؤوسِكم) فتكون (وأرجلِكم)، لكن عندما نعطفها على المحل فإن محل رؤوسكم هو مفعول به أي محلها منصوب ولذلك عندما نعطفها على المفعول به تأخذ حكمه وهو النصب فتكون (فامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم).

بناءً على ذلك سواءً كانت القراءة بالجر والخفض (أرجلِكم)، فهي تؤيد كلام الإمامية الذين يقولون أن القدمين يمسحان كما يمسح الرأس، وأيضاً إن كانت القراءة هي قراءة النصب وأنها مفتوحة (أرجلَكم) فنفس الكلام يأتي هنا وأن هذا مما يؤيد رأي الإمامية في أن المطلوب في القدمين هو نفس المطلوب في الرؤوس وهو المسح لا الغسل، فكلام الإمامية على القاعدة منسجم مع اللغة العربية، ولهذا أيضاً ذكر الفخر الرازي وهو من علماء مدرسة الخلفاء في تفسيره التفسير الكبير وذكر ابن جرير الطبري صاحب التاريخ وصاحب التفسير وهو أيضاً من علمائهم ذكروا بأن الذي يعمل في أرجلكم هو امسحوا أي أن العامل فيها هو المسح، ولهذا نجد أن رأي الإمامية هو رأي مستقيم وعلى القاعدة سواءً قُرِأَت بالفتح أو الكسر.

لو ذهبنا إلى أتباع المدرسة الأخرى نجد أنهم يرفضون قراءة الخفض والجر فيقرؤونها (فامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم)، لأن هذا الأمر يحرجهم فيقولون أن كلمة أرجلكم فعلها هو اغسلوا، فكيف يكون فعلها اغسلوا وهذه الكلمة بعيدة عن كلمة رؤوسكم بست كلمات، ولماذا اعتبروا الأقرب غير مفسِر، حتى أن الطبري والرازي وغيرهم قالوا إذا كان هناك شك في ما هو الفعل الذي يعمل أو يؤثر على الكلمة فحينها نختار الفعل الأقرب منها ويكون العامل على تلك الكلمة.

إذا أردنا أن نجعل كلمة (اغسلوا) عاملة في (أرجلكم) فإننا نحتاج أن نقفز على مجموعة من الكلمات ونلغي أثرها بناءً على رأي مدرسة الخلفاء، ولكن على رأي مدرسة الإمامية فإننا لا نحتاج إلى شيء، فإن قلنا بقراءة الخفض فإن الأمر جداً واضح، وإن قلنا بقراءة النصب والفتح فهي معطوفة على محل (رؤوسكم)، هذا بالنسبة للقرآن الكريم، وأما بالنسبة للروايات نجد ما ذكره بعض الباحثين المحققين ومنهم سيد علي الشهرستاني الذي لديه كتاب مهم جداً ضخم ومحَقَق اسمه (وضوء النبي)، يقول فيه بحسب التتبع أن الروايات الواردة في كتب الحديث في مدرسة الخلفاء عن الوضوء إنما هي بدأت بشكل كبير ومركز في أيام الخليفة الثالث وبعد ست سنوات من بداية خلافته، وأما قبل هذه الفترة فلا نكاد نجد أحاديث بهذا الحجم وهذا التفصيل عن صفة الوضوء ووضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عندما نأتي إلى زمان الخليفة الثالث وبالذات بعد ست سنوات من بداية خلافته سنجد كثيراً من الروايات عن الخليفة نفسه وبعضها بلا مناسبة أصلاً، فيجلس مع جماعة ويقول لهم: ألا أصف لكم وضوء رسول الله؟ فيقولون بلا، ثم يأتي بإناء أو تور (قدح) قد يكون من حجر أو خشب ثم يتوضأ ولا ينسى أن يؤكد على غسل قدميه، ففي زمان الخليفة رأينا أكثر الروايات كما أشار إليها هذا المحقق تنتهي إلى الخليفة الثالث وإلى امرأة أنصارية اسمها الربيع بنت معوذ الأنصارية، و بالذات بالنسبة للخليفة فقد كان مهماً عنده أن يركز على هذه الطريق وهي غسل الرجلين، فنجد أنه يحكي ويصف ووضوء رسول الله في كل مره بلا مناسبة، يظهر أنه كان هناك نوع من التوجه به جانب سلطوي حتى أن أحمد بن حنبل يذكر في مسنده أن بعض الأصحاب كانوا إذا أرادوا ان يتوضؤوا الوضوء المعتاد السابق فإنهم يتحسسون بأن لا أحد يراهم فيقول في سنده (عن أبي مالك الأشعري بأنه قال لقومه اجتمعوا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ فقالوا: لا إلا ابن اخت لنا، فقال: ابن اخت القوم منهم، فدعا بجفنة بها ماء فتوضئ ومضمض واستنشق وغسل وجهه ومسح برأسه وظهر قدميه ثم صلى)، الشاهد هنا بأنه قال لهم: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم فتوضأ وضوءاً ثم مسح فيه على رأسه وظهر قدميه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة