ولكن العلماء اختلفوا فيما بعد في حدود هذه الولاية، بعض الفقهاء رأوا أن ولاية الفقيه هي كولاية المعصومين (ع) إلا ما استُثنِيَ من شؤونِ المعصوم. المعصوم مع فرض أنه لا يُخطئ ولا ينسى ولا يُذنب فدائرةُ تصرفه دائرةٌ غير محدودة، وسعةُ جريان حكمه واسعةٌ جدًا، ولكن الفقيه العادل مهما كان فلا يمكن أن يكون كالمعصوم، فإذن هناك بعضُ المستثنيات البسيطة التي يكون أمرُ المعصوم فيها نافذًا على الجميع ولكنها لا تصل إلى الفقيه العادل لأنها من مختصات المعصوم. بناءً على هذا الرأي فإن دائرة تصرف الفقيه دائرة واسعة تشمل القضايا الفردية والاجتماعية والسياسية والحرب والسلم وما شابه ذلك إلا بعض المستثنيات مما هو خاصٌ بالمعصوم.
ولكن ذهب فريقٌ آخر من الفقهاء ولعله المشهور إلى أن الولاية الثابتة للفقيه هي ولاية محدودة بأمور نحن نعلم أن الشارع لا يرضى بتركها.
المُشرع الاسلامي لا يرضى مثلا بأن تضيع الأوقاف، فالوقفُ الشرعي لا يجوز بيعه أو هبته أو نقله بناقلٍ من النواقل الشخصية للمُلك. فلا يجوز أن يأتي شخص ويقوم ببيع هذا الوقف فيأكل بذلك المال سحتًا، وكما تعلمون الوقف عندما يباع حتى لو بيع ٢٠ مرة مع كونه وقفا، ما لم يكن هناك بعض الاستثناءات في بيع الوقف، فإنه لا يجوز بيع الوقف ولا ينتقل لملكية المشتري، فهذا الشخص العشرون الذي اشتراه لا يستحله ولا يُصبح بإسمه، فالوقف يبقى وقفًا ولا يستحل من باعه فلسا واحدا منه. مثل هذه الأوقاف الشارع المقدس لا يقبل بأن تندثر فمن يتولى أمرها هو الفقيه العادل المجتهد.
أيضا أموال القُصَر واليتامى والغائبين لو تُركت هكذا أو تُركت للإخوان الكبار مثلا فمن الممكن أن يطمع هذا الأخ بأموال اخوته القُصَر، فلا بد هنا من تدخل الفقيه، الشرع يعطي لمثل هذا الفقيه الدخول في هذا الأمر ليمنع التعدي.
أيضا ما يرتبط بقضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمنَ حدودٍ معينة فأولى الناس بإقامتها وتولِي أمرها هو الفقيه، في بعض الموارد لا يستطيع الإنسان بتصرُفِه الشخصي أن يأمر وينهى فيها لأن هذا قد يُؤدي لفوضى اجتماعية، لذلك قال الفقهاء أن الدائرة هنا أصغر من تلك التي تشمل الأمور السياسية وأمور الحرب والسلم، وإنما هذه الدائرة ترتبط بمثل ما ذكرنا من الأمثلة لكي لا تُترك هكذا، فأولى الناس بها هو الفقيه العادل وهذه هي الولاية الثالثة ولاية الفقهاء على مثل هذه الأمور.
هناك ولايات أخرى أقل مرتبة من ذلك مثل الولاية على اليتيم وعلى الوقف وما شابه ذلك وهي محدودةٌ جدا في إطارٍ معين.
إذن الله سبحانه في هذه الآية المباركة يُعظم من شأن الولاية الإلهية ودورها على الناس فيقول “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا” ما هي آثار تلك الولاية؟ أوضحها أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور في عملية إخراجٍ مُستمرةٍ ودائمة كما هو مُقتضى الفعل المضارع وليس من ظُلمةٍ واحدة وإنما من ظُلُماتٍ ودركاتٍ إلى نورٍ هو نورُ اللهِ عز وجل وإلى صراطٍ واحدٍ مستقيم وإلى دينٍ قِيَم ، لا إلى أديانٍ متعددة ولا فرق، وإنما نورٌ وصراطٌ مستقيم هو النورُ الذي أُنزل على محمدٍ (ص) وآله، ومن هذه الولايةِ يتفرعُ ولاية النبي (ص) ومنها يتفرع ولايةُ المعصوم.