عن ولاية الله والمعصومين والفقهاء

عن ولاية الله والمعصومين والفقهاء
00:00 --:--

عن ولَايةِ اللهِ والمعصومينَ والفقهاء


كتابة الفاضلة فاطمة آل الشيخ

قال الله العظيم في كتابه الكريم “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” صدَقَ اللهُ العلي العظيم.

هذه الآية المباركة التي تتلو آيتينِ من سورة البقرة، أولُها ما عُرف بآيةِ الكرسي، وقد ذكرنا أن علماءَنا يحتاطون في الموارد التي جاء فيها نصٌ بقراءةِ آية الكرسي، كالأمور العبادية مثلا، وقد ذكرنا أن البعض يحتاط بأن يقرأ الإنسان بالإضافة للآية الأولى الآيتين اللتين تأتيانِ بعدها، وبناءً على ذلك ما يُقرأ في هذه الصلوات وأمثالها هو الآية بدءًا من “اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ” إلى أن ينتهي بِـ“هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”، فيتعاملُون معها من الناحية العملية باعتبارها جزءًا من آية الكرسي.
في مُرورٍ إجمالي نتعرض إلى بعض مفرداتها ثم نتحدث عن ولَايةِ الله سبحانه وسائِر الولَايات اللازمةِ بالنسبة للإنسان المؤمن.

معنى الوَلَايَة:
القرآن الكريم يبدأ بقوله تعالى “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا”، الولي جاء من معنى المتابعة والقرب، تقولُ مثلا “هذا يلي هذا” يعني هذا إلى جانبه وقريب منه، ومن ذلك أُخذت معانٍ كثيرة، منها الولي بالمعنى الأقرب للإنسان والأجدر بالاهتمام به، تقول “الله ولي الإنسان” يعني أقرب إليه وأجدر بالاهتمام به لعلاقةِ العبودية والمولوية، اللهُ سبحانه ولي ومولى، والإنسان عبدٌ ومُوَلَى عليه. فهو قريبٌ منه وأحرى وأجدر وأولى بالاهتمام به وبرعايته.

بل نفس المعنى أيضًا يأتي بالنسبة للعبد، فتقول “هذا وليُ فلانٍ ومَولَاه”، بمعنى قريبٌ منه ويقعُ عليه الرعاية والعناية من قِبَلِ سيده، تقول “هذا سيدٌ وهذا مولى أو وليٌ لفلان” ، “أشهدُ أن عليًا وليُ الله” وليُ الله بهذا المعنى أي قريب إلى ذلك المقدار وهو أجدر وأولى بأن يقع اهتمامُ الله ورعايتُه ورحمتُه عليه.

وهذا الكلام ينطبق في سائِرِ الاستخدامات، تقولُ مثلا هذا وليُ البلدة أي الأقرب إليها من غيره والأجدر بأن يصب اهتمامهُ فيها، وسائر الاستخدامات هي من هذا النوع.

“اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا” أي الله هو الأقربُ إليهم، وهو الذي يلي أمرهم ويتولى شؤونَ الاهتمام بهم، فهي ولايةُ نصرةٍ واهتمامٍ وعناية. وقد رأى بعض المفسرين أن هذا الافتتاح بهذه الآية المباركة هو تعقيبٌ على الآية التي تسبقها عندما قال سبحانه “فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”، فالتعليل وسبب عدم انفصام عروةُ الله مع الاستمساك بها ولماذا لا يضيعُ من تمسكَ بها هو لأن الله ولي الذين آمنوا.

آثارُ الوَلَايَة:
هذه الولَاية لها أطراف مختلفة من الآثار، مثلا وليُ اليتيم يُعطيهِ من أمواله، هذه من آثارها، ولكن هُنا أولُ وأظهرُ أثرٍ من الولاية الإلهية للمؤمنين قال “يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ”، لو لاحظنا هذه الكلمات لها معانٍ مختلفة، المعنى الأول ما يُذكر في استخدام الفعل المضارع، قال سبحانه “يخرجهم” ولم يقل “أخرجهم” والفعلُ المضارع ،كما يقول علماء اللغة، فيهِ حالةٌ من الاستمراية والديمومة وعدم الانقطاع، أي أن هذا لم يحدث في وقتٍ معينٍ من الأوقات أن الله أخرجهم من الظلمات، وإنما هي حالةٌ مستمرةٌ من الإخراج من الظلمات إلى النور.
لربما يقول البعض هذا الإنسان مؤمنٌ فهو بالنتيجةِ خارجٌ من الظلمات فكيف يُخرجه الله منها؟ المفترض أنهُ خارجٌ من الظلمات مع إيمانه، فيُقال الخروج من الظلمات والصيرورةِ في النور على درجات، فهناك درجاتٌ لا تتناهى لإضاءةِ قلب الإنسان بنور الله سبحانه، المرحلةُ الأولى شيءٌ بسيط لنفترض مثلا يخرجه من الاشتباهات العقائدية، ثم يُخرجه من المشاكل السلوكية، ثم يخرجه من الصفات الأخلاقية السيئة، وهكذا فإن الله في كل يومٍ يُخرج هذا الإنسان من ظلمةٍ إلى نورٍ من الأنوار، وهذهِ من أعظم نعم الله على الإنسان.
فنرى كيف أن الله دائما يرزق “إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” في تلك الجهة المادية، الأعظم من ذلك هو هذه الجهة أن الله دائمًا يُخرجُ الذين آمنوا من الظلمات إلى النور.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة