عن ولاية الله والمعصومين والفقهاء

عن ولاية الله والمعصومين والفقهاء
00:00 --:--

وهكذا عندما يُعلِمُ القرآن الكريم نبينا محمد (ص) فيقول “قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” هل أتخذُ وليًّا غير الله سبحانه والحال أنه فاطرُ السماوات والأرض، ولاحظوا الإشارة هنا إلى أن الله سبحانه هو فاطِرُ السماوات والأرض وأيضا هناك في قضية النبي يوسف (ع)، هل أتخذ بدل الله شخصا آخر والحال أنه فاطِرُ السماوات والأرض؟ الفاطر تعني من يخلق شيئا ابتداعًا وابتكارًا بلا امتثال مثال.
وهذا ما أشارت إليه الزهراء (ع) في خطبتها الفدكية فتقول “خلق الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها، وصورها بلا احتذاءِ أمثلةٍ امتثلها” لأن احتذاء الأمثلة سهلٌ جدًا، لنفترض أن أحدهم أراد أن يصنع سيارة، فيأخذ سيارة لديه يحاول أن يُقلدها ويصنع مثلها، فيحاول ويحاول في النهاية يصل إلى تقليدها، الأمر الأعظم هو أن يصنع ويبتكر شيئًا ليس له مثالٌ أو نموذجٌ سابق، وهذا ليس على مستوى أداة أو جهاز، وإنما فاطِرُ السماوات والأرض وما فيهن هو الله سبحانه.
فهذهِ هي الولَاية الأولى التي في قمتها الأنبياء والمرسلين وفي طليعتهم نبينا المصطفى محمد (ص)، وهذه لا تأتي إلا بعد اتخاذ العبد ربهُ وليا، فأنت من يجب أن يأخذ المبادرة وتقترب من الله وتتخذهُ وليا، وكلما اقتربت منه وكنت وليا لله فإنه بالمقابل سيتولاك ويُصبح ولي أمرك وبالنتيجة تفوز بالغاية القصوى. 

الولايةُ  الثانية هي ولاية نبينا محمد (ص)، وهي في أدنى درجاتها تعني محبة النبي (ص)، وفي متوسط الدرجات طاعةُ أوامره والانتهاء عن نواهيه (ص)، وفي أعلى درجاتها تقديم أمره (ص) على أمر نفسك ومحبته على محبة وُلدك وأهلك، وأن يكونَ هو أولى منك بنفسك.
في الحالة العادية لا أحد يرى أن أحدًا أولى به من نفسه، فأنت مُسلَطٌ على نفسك وترى نفسك أولى بنفسك من أي أحدٍ كان إلا فيما يرتبط بولاية رسول الله (ص)، فأعلى الدرجات فيها هو أن يعتقد الإنسان أن النبي (ص) حاكم على نفسه قبل حُكمِهِ عليها، ويتصرف النبي في بدنه قبل أن يتصرف ويحكم ويأمر وينهى هو على نفسه، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ” وذَكَّر به رسول الله في قضية الغدير عندما قال “ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى” لأن من يصدق القرآن الكريم لا بد أن يقبل بهذا الكلام.
فَفَرَعَ على ذلك الولايةَ الثانية وهي ولاية المعصوم ولاية أمير المؤمنين (ع) وولاية أهل بيته (ع) فقال “ ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله” بحيث يكون الإنسان في قراراتِه وانبعاثاته وتوقُفاته محكومًا بأمر رسول الله وبأمر المعصومين عليهم السلام وللأسف فإن قسمًا من أبناء الأمة لم يتوجهوا إلى هذا المعنى، فحتى ولاية النبي عند قسمٍ منهم كانت منقوصة، ولذلك كانوا يرادُّوا النبي (ص) في أوامره ونواهيه، وهذا نوعٌ من أنواع رفض هذه الولاية النبوية. وأما ولاية الأئمة فحدث ولا حرج، فهناك قسمٌُ كبيرٌ من أبناء الأمة لا يرون ولاية الائمة (ع) حتى من الناحية النظرية ولايةً عليهم فضلًا عن الجانب العملي.
فهذا النوع الثاني وهي مرتبةٌ أدنى من المرتبة الأولى من الولاية وهي ولاية النبي (ص) ويتفرعُ منها ولاية المعصوم.

الولايةُ الثالثة  والمرتبة الثالثة وهي ولايةُ الفقهاء العدول في مذهبنا الإمامي، الإمامية يعتقدون أن للفقيه، وهو المجتهد المتخصص في فهم الشريعة تخصُصًا عاليًا، أنهُ هو أولى الناس بأن يتولى الأمورَ العامّة في زمان غيبة المعصوم.
في زمان حضور المعصوم قلنا أن الولاية للمعصوم متفرعةٌ عن النبي (ص)، أما في زمانِ غيبةِ المعصوم توجد في الأمة قضايا عامة كثيرة، نبدأ من القضايا الصغيرة على سبيل المثال يتامى ليس لهم ولي ، تُوُفيَ أبوهم وليس لهم أخوة كبار أو لم يوصي هذا الأب بوصية معينة، فهؤلاء يتامى لا واليَ عليهم، فهذه من أبسط القضايا ثم ترتفع إلى القضايا الاجتماعية العامة.
في زمن وجود المعصوم نعتقد أن ولاية هذه الأمور راجعة إلى هؤلاء المعصومين وأن أمرهم فيها نافذٌ على الجميع، في زمان الغيبة يدورُ الأمر بين أن يتولى هذه الأمور عامةُ الناس، فأي شخص تطالُ يده هذا الموضوع فإنه يتولاه، أو أن تُهمل هذه الأمور فلا يكون هناك أحد يتولاها.
بطبيعة الأمر لا توجد شريعة تقول بأن تُهمل هذه الأمور بدون ولاية، لذلك قال فقهاء الأمامية أن القدر المتيقن والشخص المعلوم أنه مُجازٌ بالقياسِ إلى غيره هو الفقيهُ العادل، لأنه من جهة يحملُ الجانب العلمي وهو معرفته بالشريعةِ والفقهِ الاسلامي معرفةً تخصصية، ومن جهةٍ أخرى مع فرضِ أنه عادلٌ وورعٌ فالجانب العملي والسلوكي أيضًا مضمونٌ من قِبَله. بناءً على ذلك، وعلى بعض الأدلة الأخرى التي لن نتعرض لها الآن، التزم فقهاء الإمامية بأن للفقيهِ، بمعنى المجتهد العادل، ولايةً على هذه الشؤون العامةِ في المجتمع.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة