نُلاحظ أيضًا أنهُ سبحانه قال “يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” ولم يقل من الظُلمات إلى الأنوار أو من الظُلمة إلى النور، المفترض أن يكون هناك توحيدٌ في الجملة، فإذا استخدم كلمة ظُلمات المفترض أن يستخدم معها كلمة أنوار، ولكن في استعمالات القرآن الكريم نرى أن الله سبحانه عادةً ما يستخدم كلمة ظُلمات ومعها كلمة نور، وفي هذا إشارةٌ إلى أن النور والوعيَ والمعرفة يساوي الطريق المستقيم الواحد، ولكن الظُلمات تتعدد بعدد السُبُلِ الُمفرِقة عن الله عز وجل.
“وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ” أي الطرق الأخرى والظُلمات الثانية. فهناك مناشئٌ كثيرة تحصل للإنسان فتصنع له شبهةً وحيرةً وظُلمة، فهي طرقٌ وظُلمات بعضها فوق بعض، لكن المطلوب أن يهتدي الإنسان إلى صراطٍ واحدٍ مستقيم، وليس صراطات أو أنوار.
ثم نرى في قوله تعالى “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ” أنهُ كما أن للمؤمنين وليٌ وهو الله سبحانه، الذين كفروا لديهم أولياء وليس وليٌ واحد، فكما أنه لديهم طرق متعددة وظلمات متكاثرة، فالأولياء والزعماء وقادة الباطل أيضا متعددون، ولذلك يذهب بهم كل فريقٍ إلى طريقٍ خاص، هناك الله ولي الذين آمنوا وهنا الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت الذين يخرجونهم من النور إلى الظلمات.
قد يطرأ سؤالٌ هنا أن الذين كفروا ليس لهم نورٌ حتى يخرجوا منه إلى الظلمات، والآية كأنما تريد أن تثبت أن الكفار لديهم نور والطواغيت يخرجونهم من هذا النور، فأي نورٍ هو نورُ الكفار؟!! الجواب قيل أنهُ نورُ الفطرة.
صحيحٌ أن هؤلاء ضالون ومنحرفون، ولكن بنسبةٍ من النسب تبقى لديهم بقيةُ فطرةِ الإيمان “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” هؤلاء الطواغيت وأولياء الكافرين يُخرجونهم من النور، ومن المعرفة، وحتى من بقايا فطرة ونور الإيمان إلى أن يُصبح الإنسان كما نُقلَ عن سيد الأنبياء محمد (ص) أنه كان عندما يُعدد (ص) المشاكل التي تحصل في بعضِ فِرقِ الأمة فيقول “ كيف بكم إذا رأيتمُ المعروف منكرا والمنكر معروفا” يعني حتى بقايا الفطرة التي تقول مثلا أن العدالة أمر جيد ومطلوب تتغير إلى أن يأتي أحدهم ويقول أن هذا ليس بصحيح وأننا يجب أن نُقدم الأمان على العدالة.
فإذا مثلا تمت عقوبة ظالمة على أحدهم فالفطرة الإنسانية تقول أن الظلم قبيح، إذا نُزعَ الإنسانُ من الفطرة فسيقول أن الشخص المعاقَب يستحق العقوبة لأنه مثلا ليس على مذهبنا أو ليس على ديننا لذلك هو يستحق العقوبة حتى وإن كانت ظالمةً له. هنا حتى بقايا الفطرة قد خرج منها هذا الإنسان، وبعد ما يُستخلص هذا الإنسان من كل وعيه ودينه وفطرته أيضا فإنهُ حينها يُصبح مؤهلاً للخلودِ في نارِ جهنم “ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” نعوذ بالله وإياكم منها.
أنواعٍ من الولايات الدينية:
نعودُ لبداية الآية المباركة “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا”، هناك ثلاثةُ أنواعٍ من الولايات الدينية:
الولايةُ الأولى هي الولايةُ الإلهية وهي أن يعترف الإنسان أن الله سبحانه هو وليهُ في كل شيء، فهو رازِقُهُ وحاميه وخالقُه، وأنه هو الأقربُ إليه من كل شيء، وهذه درجات، فكلما ازداد الإنسان قربًا من الله تزداد ولايته لله عز وجل فيُكافِؤُه الله بأن يتخذه وليا.
كلما دنى الإنسان من ربه واتخذه وليًا وتوكل عليه ولم يرضى إلا به، في المقابل يصطفيه الله ويُقرِبُه وينتجبُه ويصبح وليا له، وإذا أصبحت وليَ الله وأصبح الله وليَ أمرك فترقب الخيرات. لذلك أولياء الله الصالحون في أوج تألقهم ووصولهم إلى الغايات العظمى فإنهم يتذكرون أن ما أصابهم من خير إنما هو نتيجة توليهم لله عز وجل وتولي الله عز وجل لأمورهم.
هناك فرقٌ بين قول شخص “إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي” وبين قول آخر “أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ”، نبي الله يوسُف عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام بعد مسارِه من أيام الصبا عندما أُلقيَ في البئر واستُعبِد وكان في كلِ يومٍ من الممكن أن يتحول إلى حُطامِ إنسان ولكن كان الله وليُهُ وهو تولَى ربه إلى أن وصل إلى ما وصل إليه وأصبح عزيز مصر والتقى بوالده، وبعدما نزغ الشيطان بينهُ وبين إخوته اعترفوا لهُ بالحق، فهو هنا من الناحية الدُنيوية الآن في أوج القمة، وأيضا من ناحية نعم الله الآخرى عليه، ولكنه قال في النهاية “أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”. هُنا نبيُ الله يوسُف يقول يا رب أنت كنتَ وليٌ وناصرٌ لي طوال هذه المدة إلى أن وصلتُ لهذا المقام، لذلك يتوجه بالدعاء إليه ويُخاطِبُه مُعترفًا بهذا الأمر.