الجواب الثالث أنه لو افترضنا أن الرسول لم يقل بهذا الأمر فلا فرق عندنا نحن الإمامية في مقام التشريع بين الرسول صلى الله عليه وآله وبين عليٍ عليه السلام ، أو بين علي وبين جعفر ابن محمد ، أو بين جعفر ابن محمد وبين محمد الجواد، فلو جاء حكم من أي أحد من الأئمة عليهم السلام فكأنما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كأنه جاءنا من الله عز وجل .
فالإمامية فيما بينهم لايفرقون بين حديث علي وحديث جعفر ، أو حديث جعفر أو حديث الرسول . وهذا فيما يخص مقام التشريع لدى الإمامية فقط أما غير الإمامية فيختلف المبحث ليكون مبحثاً عقائدياً .
الجواب الرابع من يقل أن النبي لم يكتب للناس ولم يوصهم ولم يأمرهم؟ لقد ذكر المؤرخون عدداً كبيراً من الكتب التي أشار فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى موضوع الخمس والمغانم والمكاسب في أحاديثه المختلفة ونورد هنا بعض النماذج :
النموذج الأول ما ينقل في صحيح البخاري عن مقدم عبد القيس كوفد لرسول الله وهذه القبيلة معروفة بولائها لأهل البيت عليهم السلام يقول إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي، سألهم من القوم ؟ فقالو من ربيعة ، فقال مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى، قالو يارسول الله إنا لانستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي وهم كفار مضر ، فأْمُرنا بأمرٍ فصلٍ نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع أمرهم بالإيمان بالله وحده، إلى قوله وأن تعطوا من المغنم الخمس .
وهنا احتمالان للمغنم إما أن يكون من المغانم الحربية أو المكاسب العامة! ولكن كيف ستكون مغانم حربية والحال أنهم قالو لرسول الله أنهم لايستطيعون أن يحضروا إليه إلا مرة واحدة في السنة ومع خطر هؤلاء الكفار من مضر وهم لايستطيعون أن يدافعو عن أنفسهم . فلا معنى أن تكون الغنيمة هنا غنيمة حربية .
بالإضافة الى ذلك أن الحرب والسلم لم يكن يقوم به المسلمون إلا أن يكونوا تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وفي قوله لهم (ان تعطوا الخمس من المغنم ) فإن ذلك يشير بوضوح الى أنه خمس المغانم .
النموذج الثاني ما كتبه صلى الله عليه وآله لجهينة ابن زيد حيث يقول له ، إن لكم بطون الأرض ،أن تشربو ماءها ،وترعوا نباتها ، على أن تأدوا الخمس ، وفي هذا المقام لامعنى أصلاً للحديث عن الغنائم الحربية. وباختصار فإن هذا الحق الواجب الذي كان موجوداً في الديانات السماوية بدءاً باليهودية ومروراً بالمسيحية وانتهاءاً بالإسلام شُرِع له قرآنياً أولاً، ثم في كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله في إرسال الرسائل للقبائل ، ثم تحدث عنه الإئمة المعصومون عليهم السلام ولاسيما في زمان الإمام الباقر في عام ثمانين للهجرة ، وتسعين للهجرة ونعني أرباح المكاسب (خصوصاً ) ، وإلا فإنه وفي سائر الأمور محل اتفاق بين المسلمين.
وأما لماذا لم يذكر الا مرة واحدة فإنه يكفي لو أتى شطر واحد من آية في القرآن الكريم وعَلِمنا أنها تدل على الأمر الفلاني، فهو كافٍ للإلتزام بالحكم الشرعي بل حتى لو جاءت رواية فقط وهي صحيحة السند وشرَّعت حكماً من الأحكام لوجب الإلتزام به . ينبغي للإنسان أن يتغلب على حالة الشخ الداخلي، وهي حالة طبيعية لدى الإنسان ولذلك يمتحن بها ( وإنه لحب الخير لشديد ) ( وتحبون المال حباً جما ) ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة )فهي حالة موجودة لدى الإنسان ولو لم يكن هكذا لكان من السهل أن يُعْطِي ولا يمتحن بذلك.