وقد نقل متعددون عن الإمام (ع)، أنه عندما كان في طريق صفين، التفت إلى جهة نينوى، كربلاء، فقال: "صَبْرًا أَبَا عَبْدِاللهِ، صَبْرًا أَبَا عَبْدِاللهِ"، فسأله بعضهم عن هذا الكلام، فأخبرهم عن قضية كربلاء ومصرع الحسين فيها. ورسول الله تحدث. وغير رسول الله تحدث. والإمام الحسن، يقول: "وَلَكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِاللهِ"، ويصف إليه الأمر كله. فإذا كان الآخرون قد سمعوا هذا من الأئمة (ع)، أترى الحسين (ع) لم يسمع بكل هذا، ولم يعرفه!
ومن الإشارات، هذه الكلمة: "وَخِيرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَات، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء"، تحديد المكان، وأكثر من واحد، أشار إليهم الإمام الحسين (ع)، بأنه خارج، وأنه مقتول، وأنهم لن يتركوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي. يعني: علقة الدماء من جوفه. وهذا بحث طويل، ولكن هذا الرأي الثالث هو الرأي المعروف والمشهور عند علماء الطائفة، صلوات الله وسلامه عليه.
اختار الإمام (ع) العراق. وهذا بناء على الموضوع الغيبي، واضح. أن الأئمة (ع) كانوا مسددين من قبل الله عز وجل، في اختياراتهم. وهذا راجع إلى قضية غيبية. وقد أخبر رسول الله (ص) بهذا، بل وأتي له بتربة من كربلاء، وعرفت عنها أم سلمة، وغير هؤلاء. وهذا أمر دبر من قبل، وهيئ له.
فمن الجانب العادي، وبغض النظر عن هذه الجهة، فنلاحظ أن النظرة الفاحصة على العالم الإسلامي، في ذلك اليوم، لو أن إنسانا أراد أن ينتخب للإمام الحسين مكانا أفضل لإعلان مواجهته للسلطة الأموية، لم يكن ليجد هناك مكانا أفضل من الكوفة؛ ذلك لأن بعض الأماكن، كالبصرة، والمصر الكبير، لم تكن شيعية الهوى. اليمن وهي شيعية الهوى، كانت غالبا بعيدة جغرافيا، وعديمة التأثير سياسيا. فاليمن ليس لها تأثير كبير على الأمة. أما المكان الذي فيه وجود شيعي، بالمعنى الولائي على الأقل، والسياسي، كان الكوفة. وفيها إمكانيات التأثير على الأمة؛ ولذلك تم اختيار العراق، وخرج الإمام الحسين (ع) إلى ذلك المكان مع ممانعة من السلطة الأموية.
فما كان خروج الإمام الحسين (ع) سلسا. فقد حاولوا منعه، لكنه كان صارما في خروجه، إلى الحد الذي لا يوقع قتالا، لكنه مصمم على الخروج. فوقفت أمامه مفرزة عسكرية، لما صار بظاهر مكة، أي في الخارج، فهؤلاء الجنود الأمويون، الذين أرسلهم عمر بن سعيد الأشدق، كانوا هناك، حتى يمنعوا الإمام، لكنه أصر على المسير، فاجتلدوا بالسياط. هذا يذكره المؤرخ الطبري وغيره. أنه صار ضرب بالسياط وليس بالسيوف. باعتبار أن الإمام الحسين (ع) لم يكن يريد أن يصعِّد بهذا المعنى، ولكنه كان حازم الموقف في أنه سوف يخرج. فأُرسل إلى الوالي أن الحسين (ع) مصمم على الخروج، فهل نقاتله بالسيف؟ فقال لهم: لا. فترك الإمام الحسين (ع) يخرج، إلى حيث سيسير هذه المنازل المختلفة، ٣٨ منزلا إلى أن وصل إلى كربلاء، في اليوم الثاني من شهر محرم الحرام. إذ اختار العراق لكي يفجر ثورته فيها. ووضع العالم الإسلامي، كما يصف الشاعر:
لم أدر أين رجال المسلمين مضوا وكيف صار يزيد فيهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره ومن خساسة طبع يعصر الودكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا إلا إذا دمه في كربلا سفكا
نفسي الفداء لفاد شرع والده بنفسه وأهليه وما ملكا
بعد ذلك يقول:
فكان ما طبق الأرجاء قاطبة من يومه للتلاقي مأتما وبكا
في كل عام، لنا في العشر واعية تطبق الدور والأرجاء والسككا
ها أنت تجد في كل مكان قد ترك الناس أمورهم، وراحتهم، وقضاياهم؛ لكي يذهبوا إلى مآتم الحسين (ع)، إلى ذكر الحسين (ع). يحملون في داخلهم قلوبا خفاقة بحبه. كل ينادي: واحسيناه.