أجواء خروج الإمام الحسين من مكة
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
من خطبة لسيدنا ومولانا أبي الأحرار سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، قالها عند خروجه من مكة: "خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمِ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف، وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أَهْلُ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ، فَيُوَفِينَا أُجُورُ الصَّابِرِين". صدق سيدنا ومولانا أبو عبد الله الحسين.
في إضاءة سريعة على هذه الخطبة، التي خطبها الإمام الحسين، في يوم الاثنين، السابع من شهر ذي الحجة، في مكة المكرمة؛ لكي ينطلق في فجر يوم الثامن - يوم التروية من ذي الحجة - خارجا من مكة المكرمة. الإمام (ع) خطب خطبة منها هذه الكلمات التي ذكرناها وقال: "خُطَّ المَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمِ مَخَطَّ القِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ"، كأن هنا تشبيه في عدة جهات: أن الموت بالنسبة إلى الإنسان أمر طبيعي وملازم له، ليس غريبا عليه، بل هو الأمر الطبيعي فيه. تماما مثلما أن القلادة تتقلدها الفتاة على جيدها ورقبتها، كيف أن هذا الأمر طبيعي، وملازم لها، بل هو كمال وجمال لها. كذلك، فإن الموت بالنسبة للإنسان، إذا كان موت شرف وعز وكرامة، فإنه بالإضافة إلى كونه شيئا طبيعيا، هو زينة وهو جمال للإنسان.
وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف"، تشوق ورغبة في أن يلحق بأسلافه: أبيه وجده وأعمامه الصالحين، الذين مضوا على الحق، والتحقوا - إلى دار الآخرة - بربهم. فكان تشوق الإمام الحسين (ع) كتشوق يعقوب إلى يوسف، أن يصير إلى ما صار إليه أولئك الأسلاف الطيبون.
ثم يقول: "وَخِيرِ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ"، اختير لي: انتخب لي، هذا بناء على قراءة: خِيرَ لي. بعضهم يقرؤها: وخَيْرٌ لي مصرع أنا لاقيه، يعني هذا المصرع الذي أنا سأواجهه، هذا هو الخير، هذا هو الشيء الحسن، أو إشارة إلى اختيار تم من قبل الله عز وجل، فبني للمجهول، "خِيرَ لِي"، يعني: هناك جهة اختارت لي هذا المصير، تلك الجهة هي الله سبحانه وتعالى. "وَخِيرَ لي"، أو "خَيْرٌ لِي"، "مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ".
" كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ"، عسلان: جمع عاسل وأعسل، وهو الذئب، ذئب الفلوات، ذئب الصحاري، المفترس، الجائع، عادة يمزق الفريسة. كأنما هؤلاء الذين سيواجهونني ويقاتلونني صفاتهم صفات ذئبية. "كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء"، النواويس، قالوا: مقابر النصارى. هذه المنطقة، نينوى، هي منطقة فيها تراث نصراني، حيث أنها كانت منطقة الأنبياء، أي مر بها أنبياء: يونس بن متى، كما ورد في حوار سيد الأنبياء محمد (ص)، في رحلته إلى الطائف. إذ التقى بعدَّاس، أو عِدَاس، وقدم ذلك النصراني له شيئا من العنب بعدما أوذي النبي (ص) ورمي من قبل السفهاء بالأحجار، فسأله: من أين أنت؟ قال: أنا من نينوى، فقال: ذاك بلد أخي يونس، بن متى، هو نبي، وأنا نبي من الأنبياء.
فهذه المنطقة منطقة تراث تاريخي ضمن الديانات الإسرائيلية. كان من تراثهم أنهم يبنون النواويس، المقابر، لكن ليس على طريقة المسلمين، يحفرون في الأرض مقدار قامة إنسان أو أكثر، وإنما يحفرون شيئا بسيطا ويجعلون فوقه بناء، قد تكون لهذه الجهة، سميت بالنواويس أيضا.
هذه المنطقة، يقول: "بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاء، فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشًا جُوفًا، وَأَجْرِبَةً سُغْبًا"، هذه البطون الجائعة للحرام، كتلك البطون الجائعة للحم الفريسة في الذئاب، نفس المشابهة، ونفس المشاكلة، "لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالقَلَمِ، رِضَا الله رِضَانَا أَهْلُ الْبَيْتِ".