أجواء خروج الامام الحسين من مكة

أجواء خروج الامام الحسين من مكة
00:00 --:--

طبعا من ذاك الوقت، الفكرة الأولى أيدها العلماء الثوريون حسب التعبير، الذين كانوا يدعون إلى تحرك الإسلام وإقامة الحكم الإسلامي، فقد كان هذا الكتاب في الفكرة الأولى يخدمهم. أما الفكرة الثانية فقد عارضها أغلب علماء الحوزة التقليدية إن صح التعبير، فأنت تريد أن تقول: أنه لأجل حكومة إسلامية قام، فلم يكن يعلم بمصرعه ومقتله. وهذا مخالف لما عليه الطائفة، لما عليه الرأي الموجود لدى علماء أهل البيت (ع). فصار أخذ ورد، وكتب وكتب مقابلة، وتحول الأمر إلى ما يشبه التشنج الاجتماعي وقتها، كان ذلك قبل ٤٦ سنة وما تلا ذلك.

الآراء في الساحة الشيعية حول الموضوع :

خلاصة الأمر، أن الآراء في هذا الجانب - وهذا يعم على الإمام أمير المؤمنين، والإمام الحسن، وعلى الأئمة الذين قتلوا بالسيف أو بالسم. فهل كانوا يعلمون بمصارعهم أم لا؟

- الموجودة في الأفق الشيعي، بشكل مختصر، ثلاثة آراء: الرأي الأول، يقول: أن الأئمة (ع) لم يكونوا يعلمون تفصيلا بمصارعهم زمنا ومكانا ولحظة. لماذا؟ يقول لك: لأن الإجماع قائم على أن المطلوب في الإمام أن يكون عالما بكل الأحكام، لا بكل الأحداث، لا بكل الوقائع، لا بكل الأعيان حسب تعبيرهم. وقضية علمه بمصرعه لم تثبت. هذا رأي ذهب إليه بعض العلماء.

رأي آخر: كانوا يعلمون، ولكن يعلمون إجمالا. لا يعلمون تفصيلا. بمعنى: أن الإمام الحسين (ع) - بناء على هذا الرأي - يعلم أنه مقتول، شهيد، لا يموت ميتة حتفة، وأنه سيكون في كربلاء. أما أن ذلك بالذات في اليوم العاشر بعد الظهر، بكذا ساعة، وأن قاتله فلان وفلان، فحسب هذا الرأي، الرأي الثاني، لم يكن الإمام الحسين (ع) يعلم بذلك. وإنما يعلم بالقضية علما إجماليا.

أيضا، الإمام أمير المؤمنين (ع) – حسب هذا الرأي - يعلم بمقتله في شهر رمضان إجمالا، على يد عبد الرحمن بن ملجم إجمالا، أما اللحظة والساعة والكيفية وكذا، لا يعلم بها بالتفصيل. هذا الرأي الثاني.

أما الرأي الثالث، وهو المشهور، والصحيح عندنا في الطائفة، هو: أن الأئمة (ع) كانوا يعلمون بمصارعهم تفصيلا أيضا، وهذا لأجل أن يبلغوا مرتبة من المراتب عند الله عز وجل، لا يبلغها إلا من يصبر على البلاء مع علمه به.

فلو أتيت لاثنين، واحد تقول له: ابرز إلى المعركة، وهو لا يدري أنه يُقتل، يرجو النجاة. فيبرز إلى المعركة، هذا له ثواب عظيم بلا إشكال. ولكن تأتي إلى واحد آخر، فتقول له: ابرز إلى المعركة وأنت ستقتل في هذه المعركة. فهذا مقاومته لنفسه، مقاومته لشهوات الدنيا، أعظم وأكبر. وصبره على الابتلاء، والتحديات التي يواجهها أكبر. فلا يبلغ ذلك الأول مقدار ما يبلغ الثاني من المرتبة.

علماؤنا حسب الرأي الثالث، يقولون: إن الله سبحانه وتعالى امتحن أئمة الهدى بصبرهم على البلاء، وعلى مواجهته مع علمهم بحلوله عليهم، ومع ذلك مضوا صابرين مستسلمين لأمر الله عز وجل، وهذا يعني أنهم في مرتبة هي عليا المراتب بالنسبة إلى سواهم. هذا مجمل المشهد في قضية الرأي في علم الإمام (ع) بمصرعه.

هذا الرأي الأخير يستند إلى قرائن كثيرة، وإخبارات متعددة. أما الرأي الذي يقول أنهم أصلا لم يكونوا يعلمون بمصارعهم، فهذا بعيد الواقعية جدا؛ لأن قضية مصرع الحسين (ع) في كربلاء كانت معروفة حتى عند عامة أصحاب الأئمة (ع). وإن شاء الله تأتي ليلة نشير فيها إلى هذا. فسلمان الفارسي، سنة ٢٣ هجرية، وقد رأى بعض المسلمين - ومنهم: زهير بن القين – قد فرحوا بالفتح الذي حدث في هذه المعركة - فقال لهم: "إِذَا رَأَيْتُم أَنْفُسَكُم فِي نَصْرِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاء فَكُونُوا أَشَدَّ فَرَحًا مِمَّا حَلَّ عَلَيكُم". أي ذلك اليوم، الذي ستقع فيه المعركة في كربلاء، يوم عاشوراء، وبينما أنتم تنصرون الإمام الحسين (ع)، كونوا أكثر فرحا مما أنتم عليه الآن.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة