فالإمام الحسين (ع) - فيما نفهم - من خروجه من المدينة، ثم من خروجه من مكة، أنه كان يريد أن يقول: أنا أتحمل مسؤولية موقفي بنفسي. فلا أدمر البلد، ولا أقحم الناس في مقاتل. أنا اخترت هذا الأمر بتوجيه رباني، "وَخِيرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ"، وماض فيه، ولكن هل يجب أن يكون ذاك مدمرا لكل شيء؟ هذا ما لا نفهمه من الإمام الحسين سلام الله عليه.
الأمر الذي نراه في بعض البلاد من مشي هؤلاء المعارضين إلى حد تدمير البلد، وتهجير الناس بالملايين، وقتل الناس بالآلاف، فالنتيجة المحصلة، هو هذا! ومن أجل معارضتي أنا. وهذا ما لا نفهمه من خروج الإمام الحسين (ع) من المدينة المنورة أو مكة المكرمة.
فالإمام الحسين (ع) خرج قبيل موسم الحج. بمعنى: أنه خرج قبل بدء مناسك الحج التي يكون فيها الناس كلهم في حركة واحدة. فلماذا لم يحج مع الناس ولم يمش معهم في المشوار إلى آخره؟ ربما - وهذا يحتمل جدا - أن التهديد الذي كان يتعرض له الإمام الحسين (ع) بالقتل غيلة حال بدء المناسك، هو أكبر بكثير مما كان قبله.
فلو صار الإمام الحسين (ع) في خروجه إلى عرفات مع الناس، ثم في إفاضته إلى مزدلفة مع الناس، ثم في منى مع الناس، وهكذا. فإمكانات الاغتيال في هذا الجمع المزدحم هي أكبر بكثير مما لو كان قد خرج وانفصل عنهم، فهنا ستصبح المواجهة مباشرة وواضحة. أما في تلك الحالة، وهو نافر من عرفات إلى كذا، فمن الممكن أن يرمى بسهم.
وقد حصل هذا في تاريخ المسلمين. إذ أن حالات كثيرة هي لأشخاص ضربوا بسهم مسموم أثناء الحج.. فمن الذي يدري من رمى؟! من ضرب؟! وبعضهم بأشياء محددة فقط، وفي حالة زحام، ويكون ذلك الشيء الحاد مسموما، فينتهي الأمر.
نحتمل أن الإمام الحسين (ع) لم يكن يشاء أن يذهب دمه بهذه البساطة، وأن تسجل القضية - فيما بعد - ضد مجهول، فلا يبلغ مما أراد من نهضته ما كان يريد أن يبلغ. لذلك نحتمل أن هذا من أسباب تبكير الإمام (ع) في خروجه من مكة المكرمة، قبل أن يبدأ الناس في الخروج إلى يوم التروية. بالإضافة إلى ذلك، الجانب الإعلامي، إذ أن حركة الناس باتجاه، وحركته هو باتجاه مخالف لذلك، فهذا يعطي إعلاما وإشعارا بحركة الحسين سلامه الله عليه.
هل كان الإمام الحسين يعلم بمقتله ؟
خرج الإمام الحسين سلام الله عليه، في اليوم الثامن، يوم الثلاثاء، فجرا، وقد أعلن عن ذلك في يوم الاثنين، عندما قال: "فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحًا إِنْ شَاءَ اللهُ"، وهذه الخطبة تطرح أيضا هذا السؤال: هل كان الإمام الحسين (ع) يعلم بمصرعه بالتفصيل أم لا؟ هذه مسألة من المسائل التي كانت ولا تزال تثير سؤالا واستفهاما في الذهنية الشيعية، بل الذهنية الإسلامية عموما. وبالذات قبل ٥٠ سنة، ودقيقا قبل ٤٦ سنة، حيث أُلِّف كتاب باسم: شهيد جاويد، باللغة الفارسية، بمعنى: الشهيد الخالد.
الشهيد الخالد صنع موجة من الموافقين والمعارضين. وكتبت عليه ردود، وكثير من الكتب، والكراسات، وغير ذلك، ألفه أحد المشايخ في إيران، اسمه: الشيخ نعمت الله صالحي. توفي قبل عشر سنوات تقريبا. وهذا كان يجيب على هذا السؤال من زاوية. فالكتاب كان يريد أن يقول فكرتين: الفكرة الأولى: أن الإمام الحسين (ع) إنما خرج في نهضته تلك لأجل إقامة حكومة إسلامية. وليس لحركة استشهادية. أي ليس لحركة يراد منها أن يقتل الإمام الحسين (ع)، وإنما حركة باتجاه إقامة حكومة إسلامية، وأتى بااستشهادات على ذلك من كلام الإمام (ع).
فإن كان خرج من أجل إقامة حكومة إسلامية، فهذا يتعارض مع أنه يعلم بمصرعه. فإذا أحدهم يدري أنه سوف يقتل ويموت، فلا معنى لأن يخرج من أجل إقامة حكومة إسلامية! إذن لم يكن يعلم بمصرعه ومقتله. هذه هي الفكرة الثانية التي ناقشها هذا الكتاب.