نعم، ربما قسم من الشعراء - باعتبار أن الشاعر يهمه التصوير، ولا يهمه التحقيق كثيرا – يصورون لك – مثلا - أن الإمام الحسين (ع) قد أحل من إحرامه، وعند البيت الحرام، وكذا. فقد يكون هذا الشاعر قد فعل ذلك؛ من أجل إثارة الشجى والحزن، وإضفاء صورة من العاطفة. وليس من شأنه عادة التحقيق، بل رأينا الشعراء يبالغون كثيرا في أمور لا أصل لها.
ذاك الشاعر الذي يقول مثلا: "وجحافل بالطف أولها .. وأخيرها بالشام متصل". هذه صورة شعرية لا توافق الحقائق التاريخية. أو قول الآخر: "جاؤوا بسبعين ألفا سل بقيتهم .. هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا"، مع أن لا جيش الحسين كان سبعينا، ولا جيش عمر بن سعد كان ٧٠ ألف. وإنما هذه صورة شاعرية.
وهنا أريد أن ألفت النظر إلى قضية وهي أنه أحيانا يصبح لدى الشاعر صورة شعرية معينة، فيحبك قصة وقضية تمثل تلك الصورة الشعرية الجميلة، والمؤثرة أحيانا، لكن فيما بعد تتحول تلك إلى قصة، ربما الخطيب يأتي بها باعتبارها حقيقية وجزء من السيرة، وهي ليست كذلك. فينبغي الالتفات إلى هذا الأمر. الشاعر شأنه - كما قلنا - أن ينظر إلى الصور الجميلة المؤثرة، وقد لا يكون في صدد التحقيق الدقيق للمسائل.
هل كان خروج الحسين من المدينتين انسحابا من المواجهة ؟
الإمام الحسين (ع) خرج من مكة بعدما غادر المدينة، في حركة منه؛ للانفصال عن الظلم والظالمين، والاحتجاج عليهم. ولعل واحدا يقول: أليس هذا الكلام نوع من الانسحاب. أحدهم في المدينة، فيخرج منها! في مكة فيقوم يخرج منها أيضا! والمفروض أن يواجه، أن يقاتل، أن كذا. الإمام الحسين (ع) يريد - فيما نفهم - أن يقدم لنا أسلوبا في مقاومة الظلم، والعالم الإسلامي اليوم أحوج ما يكون إليه.
مع الأسف الشديد، اليوم، العالم الإسلامي، يعيش معتركا سيئا للغاية. زيد من الناس، أو الفئة الفلانية، رأت أن الحاكم الفلاني ظالم، فتقرر: سنقاومه، فبأي ثمن نقاومه؟ هل نقاومه حتى لو أدى ذلك إلى تهجير ملايين من البشر من البلد؟! هل نقاومه حتى لو أدى ذلك إلى مقتل مئات الألوف من البشر؟! هل نقاومهم حتى لو دمرت هذه المقاومة البلد على رؤوس أهلها ولم يبق فيها بيت سالم؟ أم لا. من ذا الذي يجيز لي أنا الإنسان المعارض للظالم أن أفعل أي شيء بأي ثمن؟ أم هو الأمر مثلما فعل الإمام الحسين (ع). يقول: أنا أقاومه، ولكن لا أريد أن ينتهك البيت بسببي. فأخرج خارجه. مع أنه الأمان له، أي المفروض أن الأمان العام إلى إمام الحسين (ع) موجود في مكة، في البيت الحرام، في البلد الحرام، المفروض أن يبقى فيه، لكنه يقول: أنا أريد أن أحافظ على قداسة البيت، قداسة المكان. وقد قال إلى بعض من سأله: "لَإِنْ أُقْتَلَ خَارِجَ الحَرَمِ بِشِبْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ دَاخِلَ الحَرَمِ بِشِبْرٍ". فأنا لا أقول – أنا الحسين – أني لا أريد أن أقاوم بأي ثمن من الأثمان. ل. فأنا أستشهد، أهل بيتي أيضا، لا بأس، إضافة إلى من: "أَوَمَنْ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتُهُ وَمُوَطِّنًا عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا".
أما لو فرضنا أنه - كما رأينا في بعض النماذج التي نعيش فيها الآن - أن الحاكم المستبد مستعد إلى أن يأخذ آخر المشوار وأن يدمر، فأنت أيها الإنسان الثائر ضد الظلم، لماذا تكون سببا في تدمير البلد، وأرزاق الناس، وما شابه ذلك؟! من ذا الذي يجيز للإنسان هذا الأمر؟! هذا مع أن الحسين سلام الله عليه معصوم في كل خطواته. فلو اختار ذاك الاختيار، كان مسددا من قبل الله سبحانه وتعالى في اختياره. فما ظنك بغيره من عامة الناس الذين من الممكن أن يدمروا حياة المجتمع، ثروات المجتمع، تهجير البشر، قتل البشر، إلى غير ذلك.