"رِضَا الله رِضَانَا أَهْلُ الْبَيْتِ"، لها معنيان، تحملهما أيضا كلمة واحدة. تارة بمعنى: أن ما يُرضي الله، يرضينا، وتارة بمعنى: ما يرضينا هو ما يرضي الله. بعبارة أخرى، مرة نقول: رضانا يدور مدار رضا الله سبحانه وتعالى. ومرة أخرى، لا، معنى أعلى من هذا: أن رضا الله في رضانا، اتباع منهج الله في منهجنا، من أراد طريق الله، يأتي على طريقنا. "رِضَا الله رِضَانَا"، كل شيء يرضاه الله سبحانه وتعالى نحن نرضاه، وكل شيء نحن نرضاه هو في رضا الله عز وجل. "نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ، فَيُوَفِينَا أُجُورُ الصَّابِرِين". هذه إضاءة سريعة.
هل ?ان الحسین محرما فأحل من احرامه ؟
هناك فيما يرتبط بخروج الإمام (ع) من مكة المكرمة، عدة جهات، الجهة الأولى: جهة تاريخية تقريبا وفقهية، وهي: أن الإمام الحسين (ع) هل كان محرما فأحل من إحرامه أم لا؟ إذا كان محرما، هل كان معتمرا بعمرة مفردة أم بعمرة تمتع؟ المشهور لعله في الذاكرة الحسينية، في المقاتل، وربما في العزاء، في الشعر، أن الإمام الحسين (ع) كان محرما فأحل من إحرامه، وذهب إلى خارج مكة.
فبعض الشعراء يقول: "وأحل من إحرامه خوف العدا"، هذا المعنى متكرر في ألسنة الشعراء، وربما في المقاتل وغيرها. إلا أن هذا ليس موافقا للتحقيق والروايات، وإنما ما هو موافق للتحقيق والروايات هو: أن الإمام الحسين (ع) لم يكن محرما ولم يكن على عمرة تمتع، وإنما كان قد أخذ عمرة مفردا، وعندما أراد الخروج من مكة كان محلا بالكامل. أما أنه لم يكن معتمرا عمرة تمتع، فهذا – كما تعلمون، وهذا بحمد الله معروف لديكم وللمؤمنين - لأن الحج عندنا يتكون من قسمين، هما في الواقع عبادة واحدة، عمرة التمتع، ثم يتحلل الإنسان، ثم يحرم لحج التمتع. والحج هو الوحيد الذي فيه عمل من قسمين منفصلين، بينهما فاصلة في الوسط. ليس عندنا من شيء غير الحج هكذا. فلا تستطيع مثلا أن تصلي ركعتين لصلاة الظهر، ثم تذهب إلى أشغالك، ثم تعود لتكمل الركعتين الأخريين، أو الصوم مثلا، تصوم مقدارا، ثم تعطل صوم، ومن ثم تعود لتكمل. الحج هذا موجود فيه.
والمعتمر عمرة تمتع مرتهن بالحج. ولذلك رأى بعض علمائنا أنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من مكة إلا محرما، وإن كان الرأي المشهور الآن بين فقهائنا أنه: إذا اطمأن بعودته لإكمال الحج، فيجوز له أن يخرج.
المهم، أن الإمام الحسين (ع) لم يكن محرما بعمرة التمتع، وما قاله بعضهم من أنه كان محرما بعمرة التمتع ثم أضاف إليها طواف النساء وصلاته وتحلل بذلك، غير صحيح. لماذا؟ لأنهم يقولون لو أن إنسانا في عمرة تمتع، ثم صُدَّ من قبل ظالم، أي ذهب يعتمر عمرة تمتع، لكن قبل أن يتمها، جاء ظالم ومنعه من إكمال المناسك، فهذا لا يحتاج إلى أن يطوف طواف النساء، فليست وظيفته ذلك، وإنما فقط يفدي دما، يذبح شاة، وبالتالي يتحلل. والإمام الحسين (ع) لم يصنع هذا الشيء. وعمرته المفردة كانت مبكرة، إما في أوائل ذي الحجة، وربما حتى قبل ذي الحجة. فلما صار - مثلا - اليوم السابع أو اليوم الثامن، كان هو محلا أصلا، لم يكن محرما بعمرة تمتع، ولا متحللا من عمرة تمتع. بل كان محلا إحلالا تاما باعتبار أنه اعتمر عمرة مفردة، السبب، أن التحلل – أولا - من عمرة التمتع إنما يكون بذبح شاة، ولم يؤثر أن الإمام الحسين (ع) قد صنع ذلك، بالإضافة إلى الروايات الواردة.
السيد الحكيم ينفي كونه محرما قبل الخروج :
فهناك كلام للمرحوم الإمام السيد محسن الحكيم، رضوان الله تعالى عليه – مرجع الطائفة في زمانه، ولعل قسما كبيرا من الحاضرين قد أدرك أيامه وتقليده - يقول في هذا الكلام: "وأما في بعض كتب المقاتل"، هذا يذكره في كتاب: المستمسك، الفقه الاستدلالي، "من أنه"، يقول: هذا مذكور في كتب المقاتل، "من أنه جعل عمرته عمرة مفردة"، لأن بعضهم يرى هكذا: أنه حوَّل عمرته التمتع إلى عمرة مفردة، وطاف طواف النساء، وصلى ركعتيه، فتحلل. فيقول السيد: "وأما ما قاله في كتب المقاتل من أنه جعل عمرته عمرة مفردة مما يظهر منها أنها كانت عمرة تمتع وعدل بها إلى الإفراد"، يعني إلى عمرة مفردة، "فليس مما يصح التعويل عليه مقابل الأخبار المذكورة المعتبرة". فوظيفة من صُدَّ غير هذا. بالإضافة إلى ذلك، عندنا روايات معتبرة، أن الإمام الحسين (ع) إنما اعتمر من البداية عمرة مفردة، فلما صار يوم السابع والثامن، كان هو محل إحلالا عاديا، فلا يحتاج إلى شيء آخر. وهناك روايات على هذا، ذكرها، لكن لا مجال الآن لذكرها. فهذه أول مسألة فيما يرتبط بخروجه سلام الله عليه.