اكتساب الأصدقاء أو العزلة أفضل ؟

اكتساب الأصدقاء أو العزلة أفضل ؟
00:00 --:--

ساعة كاملة وأنت جالس معه، تقوم عنه بعد هذه الساعة فتقول ماذا قبضت من هذه الساعة؟ ساعة انقضت من عمري، كم حصيلتي فيها؟ هل حصلت على فائدة دنيوية؟ لا، فائدة دينية؟ لا، معرفة؟ لا، خبرة؟ لا، وصية حسنة؟ لا. ماذا حصلت؟ هذا إذا لم أحصل منها على إثم بغيبة هذا والكلام على ذاك والتعليق على هذا والسخرية من ذاك. هذا القسم من الناس أُمِر الإنسان بالاعتزال عنهم. وأما من تحسن مخالطتهم: أهل الدين، أهل العلم والمعرفة، أهل الأخلاق الحسنة، أهل الخبرة، من ينفعك في دنيا أو دين، تجالسه فتكتسب خبرة في الحياة، حتى لو في قضية غير دينية، تجالسه فتحصل على معلومات ولو لوظيفتك. هذا مطلوب منك أن تجلس إليه وأن تتعرف عليه وأن تصادقه. فإذن، الجمع الثاني، قالوا: أن

الاعتزال المطلوب هو اعتزال من لا تنفع العلاقة معه والجلوس إليه: من أصحاب الأخلاق السيئة، أو من أصحاب الجهل، أو ممن قد يكتسب الإنسان ذنوبا بالجلوس إليهم: من سماع غيبة أو نميمة أو سخرية من أحد أو ما شابه ذلك. وأما غير هؤلاء - من أهل الدين والأخلاق والنفع - فينبغي الجلوس إليهم. هذا احتمال ثان. احتمال ثالث: هو أن يكون المقصود من الاعتزال عن جماعة: الاعتزال عن جماعة بحيث لو التقى بهم الإنسان حُسب عليهم ونُسب إليهم. مثلا: يوجد فلان من الناس صاحب بدعة دينية، فلان من الناس صاحب سلوك أخلاقي شائن، فلان من الناس صاحب سمعة سيئة عند المجتمع، فأنا إذا جلست إليه، أصبحت أعرف أنني من جلسائه ومن جماعته، فهذا ينتهي إلى إساءة الظن بي. هذا النوع

من الناس الذين يجعلون - بمجالستهم - الإنسان محط انتقاد، وكلام في شخصه غير محمود، وتغير في شخصيته بسببهم، هؤلاء يعتزلهم. لا يجلس معهم. لا داع لأن تذهب له وتبذل من أجله مشوارا وجهدا ووقتا حتى تُحسب إنسانا غير صالح عند الله، أو صاحب سمعة سيئة عند المجتمع. يقولون: فلان من جماعة فلان الفلاني، من جلسائه، من أصحابه، من جماعته، لا ينبغي ذلك. وأما إن كان إنسانا صالحا، مؤمنا، صاحب أخلاق، فاذهب إليه، حتى لو حُسبت من جماعته وجلسائه، فإن من هؤلاء من يشرف الإنسان ويعظم بالجلوس إليهم. هذه ثلاثة أنحاء للجمع، ذكرها العلماء. والإنصاف أن الأصل الأولي هو: تحسين العلاقات الاجتماعية وأن الأفضل للإنسان أن يكون صاحب صداقات وعلاقات وأن يكون له في المجتمع حضور نافع. خلاف ذلك، إذا

حصلت مشكلة، ذلك الوقت، له أن يعتزل. إذا كان المجتمع مجتمعا سيئا مثلا، ينعزل. إذا كان من يجالسهم ممن لا بد أن يغتابوا زيدا وعمرا، ذلك الوقت، ينعزل. إذا كانت الجلسة مع هؤلاء ستشغله عن دينه، أو عبادته، أو أسرته، ذلك الوقت يتركهم. فالأصل: هو أن يكون الإنسان صاحب علاقات وأن يكون قادرا على اكتساب الإخوان، كما يقول أمير المؤمنين في الحديث. وأن يسع الناس بأخلاقه، كما يقول رسول الله: "إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُم فَسَعُوهُم بِأَخْلَاقِكُم"، وشرحها الإمام أمير المؤمنين: سعوهم بطلاقة الوجه وجسن اللقاء والابتسامة وما شابه ذلك. هذا إجمال ما يُذكر في هذا المقام. وحاصله: أن الأفضل للإنسان في الأحوال الاعتيادية، بل الأصل الأولي للإنسان أن يكون صاحب علاقات وصداقات وحضور اجتماعي نافع إلا إذا كان ذلك

يسبب مشكلة من المشاكل فالأفضل له أن ينعزل كي لا يتأثر بتلك المشكلات.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للإخوة الصالحين وأن يجعلنا من النافعين لإخواننا وأن يثيبنا بالتواصي والتناصح معهم. إنه على كل شيء قدير، وصل الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة