إذا لم يكن كذلك، كما هو حال أكثر الناس، ومنهم: من المثقفين أيضا، فالأفضل النظر إلى النتائج لا إلى المقدمات. حسب التعبير: أن ينظر إلى الفتوى لا إلى الرواية. إذا في الفقه، فليس صحيحا أن يراجع الرواية، وإنما يراجع الرسالة العملية. إذا في الأخلاق، فليس صحيحا أن يراجع الروضة من الكافي، وإنما يذهب ليراجع كتاب مكارم الأخلاق أو جامع السعادات مثلا، أو الكتب الأخلاقية التي هي نتائج الروايات. هذا هو الصحيح. وكذلك الحال بالنسبة للعقائد، فليس صحيحا أن يأتي إنسان ويقول لك: نعم، يوجد في كتاب الكافي، كتاب الحجة، رواية تقول كذا، وكذا. ليس صحيحا أن ينظر الإنسان غير البصير، غير العارف، إلى هذه المقدمات. وإنما ينظر إلى النتائج. ينظر في الكتاب الذي ألفه شخص عارف عالم. نعم، لو كان
عنده ملاحظة أو مناقشة على شيء، فليناقش. لكن ذاك بحر عميق، ليس بالضرورة أن يقدر الإنسان على أن يسبح فيه. الشاهد هنا: لدينا صنفان وطائفتان من الروايات. رواية تقول: أن الأفضل للإنسان المؤمن العزلة والانفراد، ورواية أخرى تقول: الأفضل له الخوض في المجتمع وتشكيل العلاقات الاجتماعية. ونحن نعلم أن كلام الأئمة لا يكون متعارضا، لا بد أن يكون منسجما. فكيف تارة يقولون: اترك المجتمع، وأخرى يقولون: ادخل المجتمع. ذكر العلماء عدة طرق ووجوه للجمع بين الروايات. الطريق الأول: احتمال أن يكون الاختلاف في جهة المتعلق في الخطاب. يعني من المخاطب هنا؟ ومن المخاطب هناك؟ تعلمون أنه أحيانا يكون خطابان؛ لأجل أن المخاطب ليس واحدا. تخاطب امرأة بتكاليف، وتخاطب رجلا بتكاليف أخر. تقول: هذا متناقض. لا، ليس متناقضا؛ لأن هذا مخاطب
معين، وذاك مخاطب مختلف. هذا بالغ وذاك غير بالغ، هذا مسافر له خطاب، وهذا حاضر له خطاب آخر. كذلك هنا. احتمل بعض العلماء أن يكون متعلق الخطاب مختلفا. فيقول لك: عامة الناس الأفضل لهم أن يُدمجوا في المجتمع؛ باعتبار أنه لا يستغني أحد منهم عن الآخر، باعتبار أنهم يأدون حقوق بعضهم بعضا. وبالتالي لا بد أن ينفقوا يومهم في أجزاء متعددة، منها: ما هو مربوط بالعبادة، ومنها: ما هو مربوط بالمنزل، ومنها: ما هو مربوط بحق المجتمع. عامة الناس هكذا. إذن ينبغي أن يدخل عامة الناس في الحياة الاجتماعية. أما من خوطب بالعزلة، فهم صنف من الناس. مثلا: ذاك الإنسان – فرضا الفيلسوف - العالم الذي شغله التحقيق، هذا العابد الزاهد الذي لديه برنامج للسلوك والارتقاء المعنوي، هذا العالم الذي
شغله التحقيق والتدقيق والمراجعات، فإذا انشغل بالفواتح والأعراس طوال النهار، متى سيلحق على ذاك الجانب من شغله؟ متى سيتمكن من إنجاز مطالعته؟ متى سيشرع في تحقيقاته؟ متى سيمضي في كتابته؟ متى سيواصل علمه؟ ولذلك. افترض أن شخصا في مقام المرجعية، في مقام الاجتهاد، فالدور الأكبر المطلوب منه: أن يعتصر ذهنه من أجل أن ينتج. فإذا تحول شغله إلى أن يلبس عباءته ويمضي من فاتحة إلى أخرى ومن عرس إلى آخر، فمتى سيستطيع أن يعمل عملا فكريا ونظريا. هذا مطلوب له العزلة والاقتصار على أقل القليل من العلاقات الاجتماعية. هذا مطلوب منه: إنتاج فكري. وإلا العابد الزاهد الذي – لنفترض – لديه برنامج سلوكي، برنامج عبادي خاص. هذا الفيلسوف الذي يحتاج أن يركز ذهنيا، وأن يقضي ساعات من الزمان حتى يحقق
في مسألة، فهو المخاطب بتقليل الحياة الاجتماعية. أما ذاك الإنسان الذي ليس لديه هذا الأمر، فلو ذهب وراء الجانب الاجتماعي وأكثر منه فلا مانع. فذاك مطلوب منه التقليل قدر الإمكان؛ لصالح أمر أكثر أهمية. أما هذا فليس مطلوب منه التقليل وإنما اكتساب الإخوان قدر الإمكان. هذا أحد أنحاء الجمع التي ذكرها بعض العلماء. الاحتمال الثاني من وجوه الجمع: أن الاعتزال مقصود منه شيء، والاجتماع شيء آخر. تعتزل من؟ وتجتمع مع من؟ إذا كان من الأصناف غير الحسنة، غير الجيدة، التي ذكرها الحديث في المقدمة: الماجن الفاجر، والأحمق والكذاب. وفي بعض الروايات: البخيل، وأمثال ذلك، بل أهل الدنيا. أهل الدنيا يعني ماذا؟ يعني ذاك الذي عندما تجلس إليه لا تحصل على فائدة، لا في دين ولا في دنيا. هذر، كلام فارغ.