اكتساب الأصدقاء أو العزلة أفضل؟
كتابة الاخت الفاضلة أمجاد عبد العالأعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيموالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينعن أبي عبد الله، جعفر بن محمد الصادق، سلام الله عليه، كما ورد في الكافي، قال: "كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِذَا صَعَدَ الْمِنْبَرَ، قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مُؤَاخَاةَ ثَلَاثَة: الْمَاجِنُ الْفَاجِرُ، وَالْأَحْمَقُ وَالْكَذَّابُ. فَأَمَّا الْمَاجِنُ الْفَاجِرُ: فَيُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيُحِبُّ أَنَّكَ مِثْلُهُ، وَلَا يُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ وَمَعَادِكَ، وَمُقَارَبَتُهُ جَفَاءٌ وَقَسْوَةٌ، وَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ عَارٌ عَلَيْكَ. وَأَمَّا الْأَحْمَقُ: فَإِنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، وَلَا يُرْجَى بِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَلَوْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَرُبَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَكَ فَضَرَّكَ، فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ، وَسُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ، وَبُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ. وَأَمَّا الْكَذَّابُ: فَإِنَّهُ
لَا يَهْنَأْكَ مَعَهُ عَيْشٌ، يَنْقُلُ حَدِيثَكَ، وَيَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ. كُلَّمَا أَفْنَى أُحْدُوثَةً مَطَرَهَا بِأُخْرَى مِثْلِهَا، حَتَّى أَنَّهُ يُحَدِّثُ بِالصِّدْقِ فَمَا يَصْدُقُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدَاوَةِ فَيُنْبِتُ السَّخَائِمَ فِي الصُّدُورِ، فَاتَّقُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُم". هذه الكلمات تشكل جزءا من خطبة أمير المؤمنين إذا صعد على المنبر، كما ينقلها الإمام الصادق (ع)، عن جده أمير المؤمنين، وينقلها بسنده، الشيخ الكليني في الكافي. لتكن هذه الكلمات العطرات مدخلا لحديثنا عن العلاقة المطلوبة بين الإخوان والأصدقاء، ضمن أحاديثنا عن العلاقات الاجتماعية. بدأنا بالحديث عن العلاقات الزوجية، ثم أتبعناها بالحديث عن العلاقات الأسرية، ونتحدث بدءا من هذا الحديث في علاقات أبناء المجتمع فيما بينهم، وأول علاقة تتصور: هي علاقة الصداقة بين الناس. من المعلوم أن الإنسان كائن اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش وحده،
فإن حاجاته مرتبطة بغيره، وأنسه يحصل بالتواصل مع الآخرين. لكننا – مع ذلك – نجد روايات عن المعصومين منقولة تحبذ العزلة والانفراد وعدم الاختلاط، فما هو الأفضل بناء على ذلك؟ هل أن الأفضل أن ينعزل الإنسان عن المجتمع، يكتفي مثلا بأسرته، ينشغل بعمله الخاص المعاشي، يتعبد ربه، وينصرف عن هذه اللقاءات الاجتماعية والصداقات والتواصل مع غيره. هل هذا هو الأفضل؟ أو أن الأفضل أن يكون على عكس ذلك: له علاقات واسعة، صداقات متعددة، حضور في المجتمع. أيهما الأفضل؟ مع أن الرواية يوجد فيها كلا القسمين. فمن الروايات التي تحبذ العزلة والانفصال عن المجتمع، ما ورد وروي عن الإمام الكاظم (ع): أنه قال لهشام بن الحكم، أحد تلامذته، قال: "يَا هِشَامُ، الصَّبْرُ عَلَى الْوِحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ" إذا إنسان يكون صابرا
على الوحدة والعزلة، يتبين: أن عقله قوي وكبير. "فَمَنْ عَقِلَ عَنِ اللهِ، اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِيهَا، وَرَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللهِ". العاقل الحكيم، بناء على هذه الرواية هو من يعتزل أهل الدنيا، ويرغب عنهم، يتركهم، وينفرد بربه سبحانه وتعالى. في روايات غرر الحكم لأمير المؤمنين (ع) - هناك كتاب ألفه أحد العلماء، واسمه: الآمدي. جمع فيه قصار كلمات أمير المؤمنين، سماه: درر الكلم وغرر الحكم، كلمات مختصرة عن الإمام ولكن فيها معان واسعة – ورد أن: "الانْفِرَادُ رَاحَةُ المُتَعَبِّدِينَ"، وفي كلمة أخرى: "مَنْ انْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ صَانَ دِينَهُ"، وفي رواية ثالثة: "السَّلَامُةُ بِالتَّفَرُّدِ"، الانفراد، وفي رابعة: "مَن ِانْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ أَنِسَ بِاللهِ سُبْحَانَهُ". وفي رواية عن سيدنا ومولانا رسول الله محمد (ص) أنه قال: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ
وَرَسُولِهِ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيُعْمِرُ مَالَهُ وَيَحْفَظُ دِينَهُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ"، يقوم بالأمور العبادية، يكسب معاشه، يحفظ دينه، يعتزل الناس. وأمثال ذلك من الروايات التي هي كثيرة، وتحبذ جانب العزلة والانفراد عن الناس. هذا قسم من الروايات. في مقابل هذه، هناك قسم من الروايات تتحدث عن أن المناسب للإنسان أن يكون في المجتمع. أن يشهد مناسباتهم، أن يهنئ في موارد التهنئة، ويعزي في مواضع التعزية، ويحضر المساجد والجنائز وغير ذلك. ليس فقط لحدود أهل مذهبه، بل حتى فيما هو الأوسع من ذلك من غير أهل مذهبه. فمثلا، من الروايات ما ورد عن الإمام الصادق (ع)، في بعض كالحديث، قال: "عَلَيكُمْ بِالصَّلَاةِ في الْمَسَاجِد" والصلاة في المساجد مخالفة لموضوع الاعتزال، لا بد أن يذهب إليها المرء، وأن يرى الناس هناك، ويرونه.