"وَحُسْنِ الْجِوَارِ لِلنَّاسِ"، أيضا كذلك، "وَإِقَامَةِ الشَّهَادِةِ"، لو دعي الإنسان ليشهد في قضية من القضايا، ويؤديها؛ ليحق حقا أو يبطل باطلا، فإنه ينبغي أن يسارع إلى أدائها، "وَإِقَامَةِ الشَّهَادِةِ وَحُضُورِ الجَنَائِز"، ثم يعلل ذلك الحديث، "إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُم مِنَ النَّاسِ"، أنتم تحتاجون إلى الناس، ولا بد لكم منهم، فإذن ينبغي أن تشاركوا في مناسباتهم، ثم يقول: "إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ وَالنَّاسُ لَا بُدَّ لِبَعْضِهِم مِنْ بَعْضٍ" فهذه الرواية وأمثالها، تشير إلى أن الأفضل والمطلوب هو: أن يكون الإنسان ذا حضور اجتماعي. في رواية أوضح من ذلك، يقول أحد المعصومين (ع): "الانْقِبَاضُ مِنَ النَّاسِ مُكْسِبَةٌ لِلْعَدَاوَةِ"، إذا انقبضت عن الناس وتركتهم، وانصرفت عنهم، ولم تأت إليهم، فهذا يصنع سوء ظن بك، وينتهي إلى اكتساب العداوة. فالناس
سيتكلمون عنك أن هذا كذا وكذا، فيكسبك الانقباض عنهم عداوتهم. في رواية ثالثة: "عَلَيْكُم بِالْوَرَعِ وَالْاجْتِهَادِ، اشْهَدُوا الْجَنَائِزَ، وَعُودُوا الْمَرْضَى، وَاحْضُرُوا مَعَ قَوْمِكُم مَسَاجِدَكُم، وَأَحِبُّوا لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّوا لِأَنْفُسِكُم، أَمَا يَسْتَحِي الرَّجُلُ مِنْكُم أَنْ يَعْرِفَ جَارُهُ حَقَّهُ وَلَا يَعْرِفُ حَقَّ جَارِهِ". هذه أيضا كأنما ناظرة إلى غير أبناء المذهب، بالإضافة إلى أبناء المذهب. أنه ألا يستحي الواحد أن ذلك الجار الذي هو من غيره يعرف حقه، مثلا: يهدي إليه شيئا، يذب عنه الأذى، يحسن جواره، بينما هو لا يفعل ذلك بالنسبة إلى جاره. ألا يستحي من ذلك!والرواية المعروفة عن أمير المؤمنين (ع) في قوله: "أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجِزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ وَأَعْجَزَ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنِ اكْتَسَبَهُم". هذا الإنسان الذي لا يستطيع أن يصادق سائر الناس، إنسان عاجز. ليس عنده
كفاءة، ليس عنده قدرة، لماذا؟ لإن هذا الموضوع لا يحتاج إلى إنفاقات. لو كان عملا استثماريا فسيحتاج منك إلى المال. لكن هذا الأمر – اكتساب الإخوان – لا يحتاج إلا إلى بشر الوجه، الابتسامة، طلاقة اللسان، حسن الكلام. وهذا لا يكلفك شيئا.فإذا حتى بهذا المقدار، لو كنت عاجزا فيه، فأنت أعجز الناس. هناك قسم منهم ليس عنده قدرة أن يكون في مكان، وأن يعيش سنينا وينتهي على غير معرفة بأحد أو صداقة مع أحد ولم يشكل أي علاقة اجتماعية. مع أنه لن يطالب بشيء لو تعرف وصادق، لن ينفق من ماله، أو من بدنه. فقط بدل من أن يكون عبوسا، سيكون مبتسما. لذلك يقول أيضا في شرح هذا الحديث: "أَنَّكُم لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأمْوَالِكُم فَسَعُوهُم بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنُ اللِّقَاءِ". زين.
فإذن صار عندنا قسمان من الروايات، رويات تقول: الأفضل للإنسان أن يحفظ دينه، أن يكسب معاشه، وأن ينفرد عن الناس، ينشغل بأمره، ما له شغل في هذا ولا في ذاك. السلامة في العزلة، الانفراد أفضل. وهناك روايات أخر تخالف هذا وتقول كلا: هذا عجز، أن لا يستطيع الإنسان اكتساب الآخرين. عليكم بطلاقة الوجه وحسن البشر ولا ينبغي أن يكون جارك خير منك في علاقته الاجتماعية معك. فكيف يمكن أن نجمع بين هذه الكلمات؟ لأنه بالتالي كلمات المعصومين (ع) لا يوجد فيها تخالف، ولا تناقض. وهذه مشكلة. أحيانا قسم من الناس من ينفتحون بالقراءة على كلمات المعصومين، فيجدون مجموعة من الروايات بشكل معين، ويذهبون وراءها، فينعزلون عن الناس، وينفردون، ويرفعون يدهم عن كل أحد، يضمون أنفسهم - بحسب التعبير المحلي -
لماذا؟ يقول: لأني رأيت الروايات تحث على هذا. أو قسم آخر، يطالعون الروايات من الفئة الثانية، فيتوسعون في شؤونهم الاجتماعية، يجيئون ويذهبون، شغلهم الناس. أين عبادتكم؟ اعتكافكم؟ شغلكم على أمر آخرتكم؟ عملكم لأسرتكم وعائلتكم؟ يكونون قد استُفرغوا بشكل كامل في العلاقات الاجتماعية. كل منهما يكون منهما قد نظر إلى جانب من الجوانب. وهذه مشكلة من المشكلات التي لا ينبغي فيها للإنسان غير البصير أن ينظر إلى الروايات أو إلى جانب منها، بل ينظر إلى النتائج. وأنا هنا أشير إلى ملاحظة: وهي أن الإنسان إما أن يكون له خبرة كافية في معالجة النصوص الدينية، فيعرف في المتعارض وطريقة الجمع وكيفية الحمل، أو ليس كذلك. فإذا كان من النحو الأول: جيد، ليأخذ له كتاب الكافي أو الوسائل وينظر فيه، بلا محذور. وأما