حدود العلاقة في صداقة المتماثلين

حدود العلاقة في صداقة المتماثلين
00:00 --:--

لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ". هذا العمل الذي قام به علي بن أبي طالب (ع) هو المواساة الحقيقية. فقال النبي، كما في الرواية: "إِنُّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ". فهذه ليست علاقة عادية، صداقة بسيطة، وإنما هناك شيء أعظم من هذا. هو مني وأنا منه. آخر ما يمكن أن يقال هنا، قضية العتاب، ونشير إليها سريعا. هل من المناسب في الصداقة أن يتعاتبا؟ لم يأتني الوقت الكذائي، طلبت منه أمرا من الأمور ولم يفعله، اعتقدت أنه قصر في حقي: هل من المناسب أن أعاتبه أم لا؟ الروايات عندنا عن العتاب على قسمين، قسم: تؤيد العتاب، مثل: "العِتَابُ حَيَاةُ الْمَوَدَّةِ"، وفي حديث آخر، عن الإمام أمير المؤمنين أيضا: "عَاتِبْ الْعَاقِلَ يُحْبِبْكَ". فإذن العتاب محمود بناء على هذه الروايات. في المقابل، عندنا روايات تمنع العتاب، ولا سيما

الإكثار منه. كما في الحديث: "احْتَمِلْ أَخَاكَ عَلَى مَا فِيهِ وَلَا تُكْثِرْ الْعِتَابَ فَإِنُّهُ يُورِثُ الضَغِينَةَ". يتحول إلى حقد ومشكلة بين الطرفين. "الْإِفْرَاطُ فِي الْمَلَامَةِ يَشُبُّ نَارَ اللَّجَاجَةِ". تعاتبه أنت، فيقوم هو بالرد عليك. تقول له: الأمر هكذا، أنت مشتبه في الموضوع الفلاني. فذاك الوقت، هذا العتاب سبَّب لجاجة، وأساء إلى العلاقة أكثر. وهذا من أوضح ما نراه بين الأزواج. يبدأ هو في العتاب، فترد عليه. هو يقول لها: أنت كذا، فتقول له: لا، لست كذا، أنت الذي هكذا. فيبدأ اللجاج بينهما والأخذ والرد. فيتبين أن العتاب هنا ما كان جيدا. "وَإِيَّاكَ أَنْ تُكَرِّرَ الْعَتَبَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْرِي بِالذَّنْبِ وَيُهَوِّنُ الْعَتَبَ". أي إذا صرت كثير المعاتبة، كما في الشعر: "إذا صرت في كل الأمور معاتبا"، "صديقك لم تلق الذي لا

تعاتب". أساسا، لما يصبح منهجك أن تعاتب دائما وكثيرا، لا يعود لعتبك أثر. سيغلق الذي تعاتبه – مذ تشرع بعتبك - أذنه وأذن قلبه عن سماعك. فلا يجدي مهما عاتبت. حسنا، هل العتاب محمود أم مذموم؟ روايات تقول هكذا، وروايات تقول بالنحو الآخر. وهناك - باختصار - عدة طرق للجمع. أحد تلك الطرق، أن نقول: أن المذموم هو كثرة العتاب، إياك أن تكثر العتاب. لكن أصل العتاب والخفيف منه، لا بأس به. المذموم أن تكثر منه. لا تجعل من العتاب شغلك الشاغل. دع لنفسك مجالا. فبعض الأمور تستحق عتابا، وبعضها – وهي الأكثر – تستحق تغافلا. فثلث العقل التغافل. أنت تدري، وتعلم الأسباب، وتعرف النتائج، لكن مع ذلك تتغافل وتغضي عن ذلك. فإذا هناك عدد كذا من النقاط في الأسبوع،

أكثر، أقل، تعاتب فيها، فالكثرة مذمومة. أما أصل العتاب فلا مانع منه. هذا واحد. الجمع الثاني: أن المذموم من العتاب هو ما كان لتحقيق الانتصار على الطرف المقابل. وهذا الذي يحصل غالبا. أنت تريد أن تسجل على الآخر هدفا، "أنت ليش تسوي هالشكل؟"، "والله ما كان عندي وقت"، "لا، كان عندك وقت"، وأنا سمعت أنك رحت فلان مكان". سجلنا هدفا عليه. هذه الطريقة سيئة في العتاب. أن تجعل جهدك في سبيل أن تكسر الطرف المقابل، أن تسجل أهدافا عليه، أن تشعره باستمرار أنه مغلوب. "ما سويت الأكل زين!"، "لا والله اليوم أني تعبانة"، "لا مو تعبانة وش متعبنش! من الصباح إلى الآن نايمة، من بعد صلاة الفجر إلى الآن نايمة. وش عندش؟". أنت هنا تريد أن تسجل هدفا على الآخر،

أن تكسره، وأن تشعر بزهو الانتصار، وذلة الطرف المقابل وإحساسه بالخذلان. هذا العتاب يثير اللجاجة، يشب الملامة، يعقد المشكلة، فلا ينبغي أن يكثر منه الإنسان. والثالث: أن العتاب المذموم هو ما كان قبل سماع العذر، وما جاء بصورة اللوم قبل السؤال عن الأسباب. أنت ملاحظ أن قسما من الناس أول ما يرى فلانا، يستلمه. لماذا هكذا؟! انتظر، "لعل له عذرا وأنت تلوم". اسأله، هذا الأمر لماذا حدث بهذا النحو؟ ثم أنظر، هذا العذر الذي يقدمه لك، لو كنت مكانه حقا وفعلا، هل كنت ستسلك نفس السلوك أم لا. افحص أعذاره بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الموضوع، هل هي معقولة أم لا. إذا لم تكن كذلك، من حقك أن تعاتبه. على أن الأفضل أن تتغافل عنه وتتغاضى. أما أكثر ما يحدث ونلاحظه،

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة