حدود العلاقة في صداقة المتماثلين

حدود العلاقة في صداقة المتماثلين
00:00 --:--

حدود العلاقة في صداقة المتماثلينكتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيموالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينورد في الحديث عن أمير المؤمنين سلام الله عليه، أنه قال: "ابْذُلْ لِصَدِيقِكَ كُلَّ الْمَوَدَّةِ، وَلَا تَبْذُلْ لَهُ الطُّمَأْنِينَةَ، وَأَعْطِهِ كُلَّ الْمُوَاسَاةِ، وَلَا تُفْضِي إِلَيْهِ بِكُلِّ الْأَسْرَارِ، تُوفِي الْحِكْمَةَ حَقَّهَا، وَالصَّدِيقَ وَاجِبَهُ". وفي حديث آخر أيضا، منقول عنه: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَومًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَومَا مَا". صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. حديثنا لا يزال ضمن إطار العلاقات الاجتماعية، وقد سبق أن تحدثنا أن الأصل أن يقوم الإنسان باكتساب الإخوان والأصدقاء،

إلا إذا طرأ طارئ وعنوان آخر يؤخر هذا الأصل. مثل أن يكون ذلك الطرف طرفا سيئا أو أنه يخشى أن يحسب عليه هذا الإنسان، أو ما شابه ذلك، من مثل أن يستفرغ يوم الإنسان وزمانه في هذه العلاقات. وقد سبق أن تحدثنا عن هذا بالتفصيل. وانتهينا إلى أن الأصل الأصيل هو أن يتحرك الإنسان في اكتساب العلاقات الاجتماعية والصداقات المناسبة. هل لهذا الأمر من حدود؟ هل من قيود في العلاقة؟ أو لا؟ بأي نحو اتفق، وكيفما كان. يظهر من خلال الروايات أن هناك نوعين من الحدود والتوجيهات. هناك توجيهات وحدود أخلاقية تعطي لهذه العلاقة مع الأصدقاء بعدها الصحيح. وهناك حدود وتوجيهات شرعية. والحديث هنا ضمن إطار صداقة المتماثلين. أي رجل مع رجل، امرأة مع امرأة. أما في الاختلاف في الجنس،

له حديث آخر، يأتي إن شاء الله. حديثنا الآن هو في حدود تشكيل العلاقة والصداقة بين المتماثلين. شاب في الثانوية مثلا، مع آخر في الثانوية، أو في المتوسطة مع صديق في المتوسطة، أو رجل ناضج مع مثله.الإمام أمير المؤمنين (ع) يعطي لنا - في هذه الكلمات التي نقلناها - حدودا أخلاقية. الحد الأول: ما يعبر عنه "هَوْنًا مَا"، "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا"، لماذا؟ "عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَومَا مَا". أحبب بتعادل. اجعل صداقتك متوازنة. لا تهجم على هذه الصداقة بكل جوارحك فتشغلك عن أمر دينك ودنياك، وعن أصدقائك الآخرين، وعن بيتك، وعن أدوارك الاجتماعية. "يابا شنو!"، "أنا عندي صديق فلان. ليل رايح إله، نهار رايح إله، الطلعة وياه، السفرة وياه، الجية وياه، الروحة وياه"، هذا خلاف للتوجيه الإمامي: "هَوْنًا مَا".

بل حتى على مستوى العواطف. أحيانا يتعلق إنسان بصداقة إنسان، يحبه. فيذوب في محبته، ولا يجعل حدودا لمشاعره وعواطفه. وهذا أمر ليس مطلوبا. إذا مدح، يمدح بلا حدود. وإذا تكلم، يتكلم بلا حدود: "هذا أفضل واحد في البشر"، "أحسن إنسان على وجه الدنيا"، "أفضل من رأيت"، "ما رأيت أفضل من هذا أبدا، ولن أر، ولن ير أحد غيري". لكن، بعد مدة من الزمان، – وهذه تحدث - كلمة تصدر منه، – أي من ذاك الصديق بغير تقدير – ينقلب الأمر. فإذا به يقول: "هذا الإنسان إنسان سيء"، "لا يستحق"، "أنا ضيعت عمري معه"، ما شابه. ماذا عن كلامك يوم أمس؟! وماذا كلامك اليوم؟! عليك بالاعتدال. أحبب الحبيب هونا ما، وأبغض البغيض هونا ما. تعادل. لا توجد صورة كالحة السواد لا

يوجد فيها أي نقطة بياض، ولا توجد صورة ناصعة البياض ليس فيها أي نقطة سواد في هذه العلاقة. أنت الآن على أثر إقبالك عليه تجد هذا الجانب، غدا يتكشف لك عن جانب آخر، كان خفيا عليك. حتى ذاك اليوم الذي يكون فيه هذا التكشف، لا يصح أن تقول إن هذا أسوأ إنسان، وقد ضيعت عمري معه، وخُدعت فيه، وإلا فهو لا يساوي حتى شسع نعل. حتى هذا الأمر ليس صحيحا. هذه طريقة قسم من الشعراء الذين لا يلاحظون الحقائق. وفي رأيهم، أنه كلما بالغ الإنسان في المدح أو القدح، جاء شعره أفضل.ينقل أن أحد الشعراء قصد كافور الأخشيدي. والأخشيديون: جماعة من العبيد المماليك، بشرتهم سوداء، وأصولهم من هذا النحو، أي مماليك في الأصل. استطاعوا في فترة من الزمان أن يسيطروا

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة