حدود العلاقة في صداقة المتماثلين

حدود العلاقة في صداقة المتماثلين
00:00 --:--

على ملك مصر، فصاروا يملكونها. أي هم حكامها. وعرفوا بالأخشيديين. ومن أشهرهم: كافور الأخشيدي. كافور هذا كانت سحنته سوداء، شديدة السواد. وقد قصده أحد الشعراء وبدأ يمدحه. فأعطاه كافور مقدارا من المال. واستمر هذا الأمر لفترة من الزمان. ومدحه كافور بأشعار كثيرة، من ضمنها: "قواصد كافور توارك غيره"، "ومن قصد البحر استقل السواقي"، بمعنى قاصدو كافور تاركون لغيره. لا يحتاجون غيره. هو يكفي من يقصده. "ومن قصد البحر استقل السواقي". الآن، يريد أن يمدح حتى السواد في بدنه! يريد أن يحوله إلى جمال وشيء استثنائي، فماذا قال؟ قال: "فجاءت به إنسان عين زمانه"، "وخلت بياضا خلفها ومآقيا". هذه العين، فيها قسمان، الأول: سواد العين الذي يسمونه بإنسان العين، والجمال فيه. لاحظ مثلا: إذا صارت هذه العدسة سوداء اللون كان لها

جمال، أو بنية اللون كان لها جمال آخر، وهكذا. أما البياض فشيء عادي ليس له قيمة حقيقية. الجمال الحقيقي في هذه العدسة ولونها. فيقول الشاعر: هذا السواد الذي هو صانع الجمال في عين الإنسان، كأنما عين الزمان كلها هو هذا. كافور هذا هو عين الزمان، وأما باقي البشر فكلهم بياض، ليس فيهم جمالا، ولا تألقا. وإنما عين الزمان، الجمال الذي فيه، هو هذا العبد الأسود.هذا لما كان في علاقة حسنة معه. فهو المقصد الذي إذا قصده القاصد لا يلتفت إلى غيره. "قواصد كافور توارك غيره"، "ومن قصد البحر استقل السواقي". أيضا، حتى النقطة التي بميزان الغير ليست جمالا - بغض النظر الآن: هل هذه حالة عنصرية أو غير ذلك؟ لا، لكن هذا السواد الشديد لا يعتبر في النظر العرفي جمالا

– صورها في شعره أنها جمال الزمان كله! جمال الدهر كله! لأنه ماذا؟ إنسان عين الزمان. هذه مدة، ومرت. ثم حدث بينهم ما يحدث بين الأصدقاء: اختلاف في الرأي، في المذاق، كلام هنا، كلام هناك، هذا يوافق، ذاك يخالف، حتى طرده كافور. الشاعر ملَّ أيضا أن يمدحه كل يوم، وذاك كافور يدري أنه يكذب عليه. فرفضه وما أدخله. أي منعه وحجبه من الدخول عليه. فأتى الشاعر بشعر مختلف: "لا تشتري العبد إلا والعصا معه"، "إن العبيد لأنجاس مناكيد". أين عين الزمان! أين "قواصد كافور توارك غيره"! ما الذي جرى؟! الآن صار عبدا! وصار يلزم أيضا أن تأخذ معاك عصاك لتشتغل على تأديبه!وكلام أكثر من هذا: "من علم الأسود المخصي مكرمة"، "أقومه البيض أم آباؤه الصيد"، "أم أذنه في يد النخاس

دامية"، "أم قدره وهو بالفلسين مردود". كيف حدث هذا؟! حتى تقول: "وذاك الفحول البيض عاجزة"، "عن الجميل فكيف الخصية السود"، هذا إقذاع ما بعده إقذاع! تجن إلى أقصى درجة ممكنة، فيصعب على الإنسان – بعدها - أن يتصور شناعة في الذم والشتم أكثر من هذا. أذنه مدماة في يد النخاس، ويباع من أحد إلى أحد، وهذا لا يعرف ما المكرمة ولا يدل طريق المكارم، من أين له أن يدلها؟! من آبائه، آباؤه ليسوا أهل كرامة. هونا، ما الذي جرى؟ "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا" وقتما تقول، لا تقل: هذا عين الزمان. نعم، استقبلك، أكرمك، امدحه، يستحق. أما أن يصبح بما عنده من مال عين الزمان في شعرك، وأن من يقصده، يترك غيره! ثم بشعرك تنقلب إلى هذا المقدار من الشناعة في

القذف، هذا لا يصح. نحن نأنف أن نقبل هذا الأسلوب. لكن أحيانا قسم من الناس هم هكذا مع أصدقائهم. فتاة تصادق فتاة. تمدحها: "هذي كذا"، "وهذي فيها"، "وهذي كاملة الأوصاف"، "وهذي ماكو أحسن منها"، ثم يحدث زعلا بينهما، فتحط الواحدة من الأخرى وتلصق فيها ما فيها وما ليس فيها. هذا لا يصح. "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا"، بتعادل. لماذا؟ لأنك لا تضمنه. غدا هو يتغير عليك، أو أنت تتغير عليه، "عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَومًا مَاَ"، "وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا" أيضا، "عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَومَا مَا". ولقد رأينا في حياتنا ورأيتم، أن أشخاصا – سواء من سياسيين أو اجتماعيين أو من عامة الناس – في فترة من الفترات يكون من أبغض الأشخاص إليهم: فلان. تتغير الظروف، تتغير الأمور، فإذا به

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة