إلى الآن رأينا بأنَّ هناك انقسامين, الأول: بين الفرقتين المشهورتين (الشيعة والسنة) في مسألة تحديد الإمامة, والانقسام الثاني: في الإجابة على الأسئلة عن صفات الله وعدل الله بين (الأشاعرة والمعتزلة والشيعة). يوجد أيضا انقسام ثالث وهو
الانقسامٌ الفقهيٌّ في المذهب.
في هذا الانقسام يرى أتباع مدرسة الخلفاء بأنه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توقَّف الوحيُ والنَّص والحديث, ومُنِعَت كتابةُ الحديث النَّبَوِيِّ في أيام بعض الخلفاء؛ لأسباب لا يراها الإماميَّةُ صحيحةً، ومنها: تجنُّب اختلاط القرآن الكريم مع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكتب الحديث ويدون إلاَّ في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز. أما في مدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فلم تتوقَّفِ كتابةُ الحديث, كما أنهم يجعلون حديثَ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في الحُجِّيَّة كحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعتنون به ويُدَوِّنُونَه تَمَامًا كحديث الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلم).
وبهذا فإنه ومن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة ١١ للهجرة، وإلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩ أللهجرة لم يُدَوَّن حديثُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم)، وعندما دُوِّنَ لم يَكُنْ كافيًا لحلِّ المسائل الفقهية التي تَتَجَدَّدُ وتزداد باستمرار، وعلى الخصوص مسائل الحج؛ لهذا كانت لدى أتباع مدرسة الخلفاء مشكلة في هذا الجانب, فقاموا بابتكار أدلَّةٍ جديدةٍ؛ كأفعال وأقوال الصَّحابة حتى وإنْ لم يسندوها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو قياس الأشياء ببعضها البعض، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة، بل قاموا يأخذون الأدلَّة من أفعال أو أقوال أهل المدينةأ حتى كَثُرَ الفقهاء وكثرت المدارس المختلفة والآراء, فكانت هناك أكثر من اثنين وعشرين مدرسة فقهيَّة في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) والخمسين أو الستين سنة التي تليها, حتى انتهى الأمر بهم إلى تحديد أربعة مذاهب وكان ترتيبها حسب الزمن التاريخي, فكان أولها:
١.مذهب أبي حنيفة النعمان، والمعروف بالمذهب الحنفي المتوفى عام ١٥٠ هـ.
٢.مذهب مالك بن أنس الأصبحي المعروف، بالمذهب المالكي المتوفى عام ١٧٩ هـ.
٣.مذهب محمد بن إدريس الشافعي، المعروف بالمذهب الشافعي المتوفى عام ٢٠٣ هـ.
٤.مذهب أحمد بن حنبل الشيباني، المعروف بالمذهب الحنبلي المتوفى عام ٢٤١ هـ.
وقد تحدثنا عن خصائص هذه المذاهب وسيرة أئمتها في سلسلة أخرى تحت عنوان ( من تاريخ المذاهب عند المسلمين ) .. وأصدرت الخلافة العباسية أمرًا باتِّباع أحد هذه الأربعة المذاهب, في حين استمرت الإمامية على ما كانت عليه من استباط الأحكام من القرآن الكريم وأحاديث الرَّسول والأئمة المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام), ولم تحدث اختلافات في المذهب الإمامي كما حدثت في المذهب السُّنِّيِّ.
وبهذه الانقسامات يصبح لدينا خمسة انقسامات على المذهب الفقهي (المذهب الحنفي, المالكي, الشافعي, الحنبلي والمذهب الشيعي)
ويعتبر أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المؤسِّس لعقائد المذهب الإمامي، حيث يعتبر كتاب (نهج البلاغة) بعد القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية هو المصدر الأساس للعقائد الأساسيَّة، وفيه تفاصيل العقيدة, فأمير المؤمنين (عليه السلام) وكما يطلق عليه (رائد العدل) هو المؤسِّسُ, كما أن فرقة المعتزلة يأخذون من عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) ويعظِّمون من شأنه. ولكنْ مع الأسف إنَّ فرقة المعتزلة الذين كانوا أصحاب تَوَجُّهٍ عقلي ينسجم مع الحالة الشيعية طُرِدُوا من الإسلام, فلا نجد اليومَ أحدَ المسلمين يُطْلِقُ على نفسه أنه صاحب تفكيرٍ معتزلي.
[١] الأنبياء: ٩٢
[٢] الصافات: ٨٣
[٣] الفتح: ١٠
[٤] الرحمن: ٢٧