الاسلام من الخارج : جغرافية الامة وتاريخ عقائدها

الاسلام من الخارج : جغرافية الامة وتاريخ عقائدها
00:00 --:--

الرَّأي الثاني هو لأهل السنة، والذين صاروا فيما بعد يُسَمَّونَ بأهل السُّنَّة والجماعة, ( وقد يعبر عنهم بمدرسة الخلفاء ) حيثُ يعتقدون بأنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له رأيٌ خاصٌّ في تعيين الوليِّ من بعده, بل ترك الأمرَ للأُمَّةِ الذين اختاروا في المرحلة الأولى الخليفةَ الأول بطريقةٍ, والخليفة الثاني بطريقةٍ أخرى, والخليفة الثالث بطريقةٍ ثالثةٍ, والخليفةَ الرَّابع بطريقةٍ رابعةٍ, ولم يَنُصَّ على أحدٍ باسمه أو يُنَصِّب أحدًا من بعده, ويرَونَ بأنَّ هذا الأمرَ هو أمرٌ طَبِيْعِيٌّ.

هذا الموضوع هو بداية الانقسام الأصليّ بين المذهبين, إمَّا من نصف القرن الأوَّل للإسلام في سنة خمسين للهجرة، ونتيجةً لتطوُّر المجتمعات الطبيعيِّ ظَهَرَتْ أسئلٌة تنتظر إجاباتٍ, أسئلةٌ مختلفة عن بداية الدَّعوة؛ حيثُ كانت الأسئلة آنذاك بسيطةً وابتدائيَّة نظرًا للمجتمع المعاصر، أسئلة عن صفات الله (عزَّ وجلَّ) وعدالة الله (عزَّ وجلَّ) وعن القرآن الكريم والأنبياء والمرسلين. وهذه الأسئلة التي تعتبر مختلفة وأكبر من سابقتها جاءت بسبب النُّمُوِّ التدريجي للمجتمع, وحين توسَّع الإسلام وأسلم بعض أهل الكتاب كاليهود والمسيح أدخلوا ثقافات وآراء مختلفة, فكانوا يعتقدون في كتبهم أنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يغضب ويحزن ويبكي -والعياذ بالله-, فأثاروا بذلك أسئلة عن صفات الله (عزَّ وجلَّ), فهل الله في التوراة هو المقصود في الإسلام؟

هذه الأسئلة جعلت القِسْمَين (الشيعة) و (أهل السنة) مضطرين للإجابة على هذه الأسئلة، كلٌّ بطريقته. الشِّيعة أخذوا أجوبتهم من أئمَّتِهم، وعلى الخصوص أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي أكثر من الخطب التي تُنَزِّهُ اللهَ (عزَّ وجلَّ) وتُوَحِّدُهُ وتُجِيبُ على هذه الأسئلة، ومنها المذكور في كتاب (نهج البلاغة)؛ الذي هو بعضٌ من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام), حيث ورد الكثير من أحاديثه، ولم ينقلها الشَّريف الرَّضي في كتاب نهج البلاغة.

المدارس الكلامية في المسلمين :

في القرن الثاني للهجرة ومع تطور الزَّمان استمرَّت هذه الأسئلة ولم تختفِ, مِمَّا سَبَّبَ انقساماتٍ جديدةً؛ فظهرت مدارس كلامٍ جديدة، فصارت هناك ثلاثة مدارس كلاميَّة معروفة:
١.الأشاعرة ٢. المعتزلة   ٣. الشيعة

وتعتبر فرقتَي الأشاعرة والمعتزلة من فرق أهل السُّنَّة والجماعة, والأشاعرة هُمُ الفئة العامَّة من أهل السنة، وهم الذين يجرون الصفات الإلهية كما ورد بها الخبر، فيعتقدون بأنَّ لله يَدًا، ويستدلُّون بالآية: "يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"[٣]، وله وجه: "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"[٤]، ولكن يعتقدون بالاختلاف، كاختلاف أعضاء الطِّفل عن الرجل الكبير حسب الحجم، فمثلاً يد الله تناسب عظمته، ووجه الله يناسب قدرته وهيبته.

أمَّا فرقة المعتزلة فقد تشابهوا كثيرًا في أصول أجوبتهم مع الشيعة, حتى ذكروا أنهم أخذوا الاعتزال من أمير المؤمنين عن محمد بن الحنفية عن ابنه أبي هاشم، ثم امتدَّت سلسلتهم بعد ذلك, وهم يعتقدون بذلك بأنَّ أصولهم شيعية.

ومن أمثلة ما يتشابهون مع الشيعة هو ما يرتبط في صفات الله الخبرية، وصفات الله الخبرية تعني التي جاء النقل بها، فهم يعتقدون مثل أتباع أهل البيت (عليهم السَّلام) في أنَّه لا يمكن حمل بعض الآيات على ظاهرها على الجوارح والأعضاء، بل لها تأويلٌ آخرُ إذ لا يمكن القول بأنَّ لله يدًا أو وجهًا أو رِجْلاً.

ومن الأمثلة أيضًا، أنَّ المعتزلة ترى نفس الرَّأي في عدل الله؛ حيثُ تعتقد بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) جعل على نفسه العدل ولم يلزمه أحد على ذلك، فيما يرى الأشاعرةُ بأنَّ الله غيرُ مُلْزَمٍ بالعدل، فيستطيع أنْ يرمي مؤمنًا في النَّار وأنْ يُدْخِلَ قاتِلاً مُجْرِمًا الجَّنَةَ.

وتتفرَّعُ من هذا الموضوع مسائلُ كثيرة، ولذلك يجعل الإمامية (العدل) واحدًا من أصول المذهب، كما تَتَّفقُ معهم فرقةُ المعتزلة أيضًا.ولهذا عرفوا ( الامامية والمعتزلة ) بالعدلية.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة