تاريخ الأنبياء يوضِح خلاف ذلك ؛ إذ : - لم تستمرّ النبوة في عقبِ يعقوبَ -ع- في امتداد ابنه النبي يوسف ؛ وإنما كان الأنبياء من صلب ابنه غير النبي ( لاوي ) ؛ وهذا يدل على أنّ النبوة لا تنتقل بالوراثة ؛ إنما هي بأمر الله سبحانه وتعالى واصطفائه .
- في قضية موسى وهارون ... الصفات المتوفرة في هارون من كبر السّن وفصاحة اللسان ؛ تؤهله أنْ يكون هو النبي ؛ لكن الجعل الإلهي والاصطفاء كان باتجاه موسى ( ع ) .
- طلبُ زكريا ( ع ) الولدَ الصالحَ من الله تعالى ليأخذَ من بعده متاعه وأشياءه ؛ كي لا تتعثر بين الموالي وقرابته وبني عمومته السيئون. ولا معنى من أنْ يطلب زكريا من ربه أنْ يكون الولدُ صالحاً ؛ طالما هو بحسب كلامهم نبيٌّ فصفةُ الصلاح متحققةٌ فيه في الأصل .
من صفات النبي يحيى – عليه السلام -
١.هو أول من أُطلق عليه اسمُ ( يحيى ) : يقول الله تعالى : (( لم نجعل له من قبلُ سميّا )) .لم يكن قد سُميَ أحدٌ قبله باسم ( يحيى) .
٢. كان سيدًا شجاعًا جسورًا ، قال تعالى : {َسَيِّدًا وَحَصُورًا} .
كان سيدًا ، أي صاحب شخصية ليس بذليل النفس، وكان شجاعًا لذلك واجه طاغية زمانه الذي قيل بأنّ اسمه (هيرودس او بيلاطوس) .
٣. كان حصورًا ، والمعنى أنّه ليس له رغبةٌ في النساء ؛ كما يرى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من تنزيه الأنبياء من أيّ نقصٍ في النواحي العقلية والبدنية وخلافها ؛ لا أنه ( عنينًا ) – كما يذهب بعض مفسري مدرسة الخلفاء لمفردة حصورا - إذ تستلزم ( العنةُ ) وجودَ نقصٍ في جانبٍ معين .
رغبته كانت منصرفة عن النساء إلى ماهو أعظم عنده . ولعلّ الظروف التي عاشها نبي الله يحيى والمصير الذي انتهى إليه كان من الأنسب له أنْ يكون دون ارتباطٍ بزوجةٍ وعُلقةٍ بأولاد .
كانت روحه معلّقةً بالملأ الأعلى ، أي أنّه لم يكن من لأهل الدنيا . كان شديدَ الخوف من الله ؛ إذا ذُكرت أمامه الجنة حسبته ستخرج روحه شوقا إليها ، وإذا ذكرت النارُ يهيم على وجهه .
ولذلك ذُكر في بعض الروايات أنّ زكريا النبي كان إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل - وكان في ذلك الوقت بنو إسرائيل قد تعمقت فيهم الحالة المادية إلى أقصى درجاتها - ؛ يعظهم باستمرار في هذا الجانب ويحذرهم من نار جهنم والعذاب الأخروي، ويرغبهم في الآخرة.
فينظر نبي الله زكريا إلى الحضور؛ فإذا كان فيهم ابنه يحيى ؛ كان يُعرِض عن ذكر نار جهنم ؛ رحمةً وشفقةً بابنه يحيى .
فمثل هذا الشخص لا يناسب أنْ تكون له زوجةٌ و أولاد . بالإضافة إلى أنّ كونه حصورًا حكمةٌ من الله - عز وجل- لأن أيَّ إمرأة سيصعب عليها العيش مع إنسان بهذه الصفات .
بيانٌ مهم :
في الشريعة الإسلامية لا يجوز الانصراف عن الدنيا كليةً بحجة التبتّل والانقطاع إلى الله ، بل إنّ شريعتنا سهلةٌ يسيرة سمحة متوازنة ؛ تطعمك الدنيا بالحلال كما شئت - وهذا ليس قدحًا في الشرائع السماوية السابقة ؛ فالمشرِّع واحدٌ ؛ غير أنّ كلّ شريعةٍ تراعي الظرف الذي وجدتْ فيه ، والناسَ الذين جاءت لهم - .
قيل أنّ امراةً دخلت على الإمام الصادق (عليه السلام) فقالت له : (( يا أبا عبدالله ، إني إمراة متبتلة . فقال لها : ما التبتل عندك؟ . قالت: أنْ لا أتزوج ولا أشتهي الرجال و لا أنجب ، وأنصرف عن هذا . فقال لها : كُفي عن ذلك ؛ فلو كان في هذا فضلٌ لسبقتكِ إليه فاطمةُ بنتُ محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- .
أمّا ما يخصُّ رغبةَ نبي الله يحيى - عليه السلام - عن النساء ؛ فكانت طريقةً ممدوحةً بحسب التشريع السماوي آنذاك . ولعلَّ هذا التوجيه الروحي المبالغ فيه يهدف إلى تنبيه المجتمع اليهودي الغارق في الماديات إلى ضرورة التعلّق بالخالق وما يستلزمه من تذكر الآخرة وما فيها من نعيمٍ وعقاب .