٤. كان ذا زهدٍ وخوفٍ من الله بشكلٍ استثنائي :
و ينقل مفارقة بين عيسى بن مريم و يحيى بن زكريا (عليهما السلام) ؛ إذ كان عيسى أكثرَ تفائلاً برحمة الله ، بينما كان يحيى أكثرَ حزنًا وخوفًا من الله عز وجل.
وقد سُئل - لو صح الحديث - النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الجانب . فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (( الذي كان عليه عيسى من حسن الظن بالله أحب ّ إليي )) .
• يستفاد من الروايات أن يحيى – عليه السلام - كان في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر صريحًا وواضحًا ومباشر اللهجة ؛ بخلاف طريقة عيسى بن مريم (عليه السلام) الذي كان يضرب الأمثال حالَ وعظه ، ويتكلّم بلغةٍ عامة دون أنْ يوجّه خطابه إلى مُعيّنٍ .
• ويُذكر أنّ أصولَ - النبي يحيى - أصولٌ مسيحيةٌ . وقد ذكرَ المؤرخون المسلمون في ذيل الحديث عن سبب تسميته بالمعمدان ؛ أنّه في التراث المسيحي يُسمى ( يوحنا المعمدان) لأنه كان يعمّد الناس .
وورود مفردة ( التعميد ) في حقّ يحيى – عليه السلام – في الموروث الإسلامي كثيرٌ ؛ لكنّه منقول عن المصادر المسيحية الأصلية . ولم نقف على فكرة تعميده للناس في المصادر الإسلامية الأصيلة المتمثلة في الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوعن أهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عن القرآن الكريم . فتبقى هذه الفكرة موجودةً ؛ ما لم يأتِ دليلٌ على خلافها .
التعميد مازال موجودًا إلى اليوم عند المسيحيين وعند الصابئة، ويعتبرونه - وبالأخص الكاثوليك - قضيةً مهمةً جدًا . وحاصل ذلك أنّه لابد من غسلِ الإنسان في ماءٍ ، ويعتبرونه سراً من الأسرار وأمرًا مقدسًا ، وبالتعميد يبقى هذا الإنسان مسيحيًا إلى آخر عمره .
وهم في ذلك طرقٌ متعددةٌ ، منهم ما يكون تعميدهم بالانغماس كليةً في الماء ( كالغسل الارتماسي عند المسلمين ) وتلاوة بعض الأذكار .
و فِرقٌ أخرى ...يكون التعميدُ عندهم بغسلِ أجزاء معينة من البدن ، ثم يمسحون على جبين المعمَّد بطريقة معينة تصاحبها أذكارٌ خاصة . والذي يقوم بعملية التعميد لابدّ أن يكون كاهنًا ( قسًّا ) .
بالنسبة لنظرتنا نحن المسلمين للتعميد ؛ لا نعلم ما إذا كان من الأمور المبتدعة والمحرفة أو من ضمن الشريعة السماوية النقية .
يحيى – عليه السلام – كان معاصرًا للنبي عيسى – عليه السلام - وكانا يعيشان ضمن دائرةٍ مكانيةٍ متقاربة ، إلى أن استشهد يحيى (عليه السلام) ، وبقي عيسى بن مريم (عليه السلام) زمنًا يواصل الدعوة إلى الله تعالى إلى أنْ رُفع إلى السماء.
في هذه الأثناء توفي نبي الله زكريا (عليه السلام) وفاةً طبيعية ( كما يعتقد الإمامية ) ؛ بخلاف ما يعتقده بعض المنتمين لمدرسة الخلفاء من أنّه – عليه السلام – مات مقتولاً شهيداً ، ويوافقون بذلك قسمًا من الصابئة والمسيحيين . وقد ورد في بعض مصادر مدرسة الخلفاء حديثٌ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ جماعة كانوا يتحدثون عن الأنبياء والمفاضلة بينهم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أين أنتم عن الشهيد ابن الشهيد يحيى ابن زكريا ؟
شهادة يحيى بن زكريا – عليهما السلام -
تقريبا يوجد اتفاقٌ من جميع المسلمين على أنّ يحيى بن زكريا (عليهما السلام) استشهد شهادة ًداميةً . وذُكر فيه الكثيرُ من الأحاديث والروايات والمقارنات ؛ ومن ذلك ما سطّره الشيخ المبرور حسين العصفور المتوفى عام ١٢١٤هـ - من أعلام المدرسة الأخبارية الكبار - في كتابٍ له عن وفاة النبي يحيى بنِ زكريا (عليهما السلام) ؛ حيث ساقَ عددًا من الروايات التي تفيد شهادته .
ودائمًا ما تُذكر أوجه المشابهةِ بين شهادة النبي يحيى وشهادة الامام الحسين (عليهما السلام) في كثير من الموارد ؛ فكلاهما قتل على يدِ طاغية زمانه .
الإمام الحسين (عليه السلام) استشهد على يد الطاغية يزيد ، ويحيى (عليه السلام) استشهد على يد إما (هيرودس أو بيلاطوس) الذي كان يريد أن يتزوج إمراة لاتحل له – ( ربيبته من زوجته أو ابنة أخيه ) .
مما حدا بيحيى (عليه السلام) أنْ يجاهر بمعارضته لما يقوم به الحاكم من امتهانٍ للشرع ؛ إرضاءً لغرائزه ونزواته . وقد بيّن النبي يحيى أنّ ما يحاوله الحاكم من هذا الزواج يُعدُّ جرأةً على أحكام الله عز وجل ، وهو حرامٌ شرعًا ومخالفٌ للفطرة .
وقد قيل إنّ هذه المرأةَ الفاجرةَ العاهرةَ زُفتْ إليه متزينةً ، متبرجةً إلى أنْ سيطرتْ على قلبه ، فقال لها : تمنّي علي ما شئت . فقالت له : أريد رأس يحيى بن زكريا . فأرسل إلى يحيى (عليه السلام) بعضَ جلاوزته ، وقطعوا رأسه وجاؤوا به في طبق إلى هذه البغي الفاجرة .