أما التشريع المعاملاتي :
فهومجموعة من القوانين التي تنظّم علاقة الإنسان بما حوله وبمن حوله ؛ تنظم علاقته بالجماد والحيوان والنبات ، وكلّ الموجودات التي يتصل بها ؛ وعلى رأسها أخيه الإنسان .
فيهدف الشارع المقدّس من خلال هذا التنظيم إلى إلى الوصول بالإنسان للحياة الطيبة .
تتصل هذه القوانين بكلّ شؤون الحياة من بيعٍ وشراءٍ أو زواجٍ وطلاقٍ أو علاقةٍ والديةٍ أو ذبحِ حيوانٍ أوتعاملٍ مع البيئةِ والطبيعةِ من بحارٍ وشجرٍ ....
فالله تعالى هو الخالقُ ، وهو المالكُ الحقيقي ؛ لذا وجب على مَن أراد رضاه وجنته أنْ يسير وفق منهجه . وليس للعبد حتى التصرّف في جسده إلا بمراعات تشريع خالق ومالك ذلك الجسد وهو الله جلّ شأنه .
الضلع الثالث : النظام الأخلاقي وهو على مستويين ؛ إلزاميٌ وجوبي ، ومستحبٌ ترغيبي ( وهو الأكثر ) .
من ذلك - مثلاً – وجوب النفقةِ على الوالدين حال فقرهما وحاجتهما ، وصيرورة ذلك الوجوب إلى الاستحباب حال اكتفائهما وغناهما ؛ حيث يُعدّ من صلة الرحم .
الحالة الأخلاقية تحفظ التشريع وتحفظ العقيدة ، ولذلك لا ينبغي أن يتخلى الإنسان عنها .
كلُّ ما انضوى تحت الأضلاع الثالثة - من عقيدةٍ وعبادةٍ ومعاملاتٍ وأخلاق - احتضن أصوله القرآن الكريم دون التفاصيل ، وكان عبءُ التفصيل على السنة الشريفة ، ومن ثمّ على كاهل العلماء المختصين في استنطاق النصوص المقدّسة .
فالإسلام تشريعٌ متكاملٌ ؛ يهدف إلى خلق حياةِ طيبةٍ ترضاها السماء للإنسان في هذه الدنيا ، كما يهدف إلى الأخذ بيد هذا الإنسان إلى رضا الله وجنته – إنْ التزم الإنسان بالمنهج الذي رسمه الله له –
ويبرز تساؤلٌ مهمٌ هنا :
إذا كان الإسلامٌ منهجًا متكاملاً ؛ ينظّم حياة المسلم في الدنيا ويسعده ، ويضمن له حياةَ الخلد في جنان الله ومرضاته ؛ فلماذا نرى المسلمين خلاف ما يهدفُ ويوصلُ إليه هذا المنهج ؟
وجوابُ التساؤل ... هو إنّ المنهج عبارةٌ عن طريق ؛ لا يكفي معرفته في الوصول إلى الهدف ؛ بل لابد من السير في ذلك الطريق للوصول .
ونعتقد أنّه لوالتزم المسلمون بالإسلام حقّ الالتزام ؛ لتحقّق وعدُ الآية الكريمة { وألّوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهُم ماءً غدَقًا } الجن ١٦ .
ووعد الآية الكريمة { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } المائدة ٦٦.
لكن للأسف لم يحصل هذا في بواكير هذه الأمة ناهيك عن زماننا هذا .
ـــ-----------------------------------------------------------------------------------
يثير بعض الكتّاب أنّ التوجه الثقافي لأبناء الشيعة دائمًا يتنكر لتاريخ الإسلام ، وينظر لهذا التاريخ بسلبية . وهذا يقطع الصلة بين المسلمين من هذه الطائفة وبين ذلك التاريخ الذي كان زاهرًا .
والحقيقة ... هذا الكلام غير دقيق؛ فنحن نعتقد أنّ ما تم تطبيقه من الإسلام نسبة قد لا تتجاوز خمسين في المئة ، ومع ذلك حصل من الخيرات للمسلمين شيءٌ كثير؛ فهذا الحديث عن التقدم العلمي في زمان المسلمين وعن استفادة الغرب من كتب المسلمين ، وعن الأخلاقيات الرائعة التي كانت عندهم ، وعن انتفاء الفقر - في بعض الفترات الزمنية - في مجتمع المسلمين ؛ هذا كله صحيح ، ونعتقد أنه من ثمار نسبةٍ من تطبيق الإسلام في جوانبه المختلفة .
لكن نحن متأسفون على ما تمّ التفريط فيه من إسلامنا العظيم ، متأسفون على النسبة المهدورة التي لم تُلتزم من قِبل الأوائل ؛ حيث بدأ الانحراف وازداد أثره مع كرّ الجديدين وتقدّم الزمان .
وأشارت السيدة الزهراء – عليه السلام – في خطبتها الفدكية لذلك الانحراف وإلى أثره البالغ ؛ والذي سيظهر على الأمة فيما بعد .
تقول سلامُ الله عليها : ( أما والله لقد لقحت فنظرة ٌريثما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دمًا عبيطًا و ذعافًا ممطرًا مبيدًا ، هنالك يعرف التالون غبّ ما أسس الأولون)
تشبيهًا للحالة التي تمرّ بها الأمة بحال الحامل عندما تلقح تحتاج إلى تسعة شهور ، ثم يكون توقّع مجيءِ الولد وصفاته. فكأنّ الزهراء – عليها السلام – تخبرالأمةَ بفظاعةِ النتيجة المتولّدة عن انحراف الأوائل منها ؛ حين حادوا عن أهل البيت – عليهم السلام- إلى غيرهم .
سيعرف التالون غبّ ما أسس الأولون ، ويدركون أثر انحراف الأولين عن منهج السماء .
والنتيجة : (ثم أبشروا بسيفٍ صارم وسطوة معتدٍ غاشم يدع فيئكم زهيدًا) .