ولاية الوالد على تزويج الأولاد
كتابة الاخت الفاضلة أمجاد عبد العال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين
حديثنا يتناول موضوع ولاية الوالد على النكاح بالنسبة إلى الأولاد. وقد سبق أن تحدثنا عن أن للوالد ولاية على النفس بالنسبة إلى الصغير، تشتمل على حفظه وصيانته وتأديبه ودفع الأخطار عنه، وقد تقدم الكلام في هذا الجانب. كما أن له ولاية على ماله إلى حين بلوغه، بحيث يحفظ هذا المال ويصرفه على الولد، إن لم يكن للوالد مال، ويحفظه إن كان له مال، والأفضل أن ينميه وأن يصلح هذا المال. وفي خارج إطار مصلحة الولد، لا يجوز للوالد أن يتصرف في مال الولد، كما مر الحديث في ذلك. وبينا أيضا جهة قول رسول الله (ص) الذي روي في الأخبار مخاطبا أحد الأبناء بقوله: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ"، بينا جهة ذلك. بقي الكلام في ولاية الأب على النكاح، أي على زواج الأولاد ذكورا وإناثا.
للوالد - دون الوالدة، ودون الأخ الأكبر، ودون العم، ودون الخال - تحديدا وللجد الأبوي – يعني والد الوالد – فقط هذان، لهما ولاية على تزويج الابن والبنت إذا كانا صغيرين، مع افتراض مصلحة من المصالح. لو كان الوالد يرى أن المصلحة تقتضي تزويج ابنه الصغير – بمعنى عقد النكاح. هنا التزويج لا يعني الدخول والزفاف، وإنما بمعنى: عقد النكاح – وفرضنا أن هناك مصلحة للولد في مثل هذا العقد، لأي سبب من الأسباب، فللوالد أن يقوم بعقد النكاح لهذا الابن الصغير وهو لما يبلغ. يعقد له - مثلا - عقد النكاح على فلانة، ويتولى هو أمر الإيجاب والقبول باختلاف الولد، إذا بنتا أو ابنا. هو يكون الطرف حسب التعبير. فإذا كان طرف ابنه فهو يقبل، يقول مثلا: "قبلت بولايتي على ابني عن ابني". وإذا كان ولي البنت، فهو الذي يوجب. كما أن المرأة تقول: "زوجتك نفسي"، أو "أنكحتك نفسي" هو يُزوج ابنته، أو يُنكحها لشخص آخر. هذه الولاية ثابتة. يعني يستطيع الأب بمقتضى هذه الولاية، إذا رأى مصلحة للولد في أن يعقد عليه عقد النكاح – الآن، لا تتصور مثلا أنه لا بد أن يكون عمر الولد: سنة وسنتين، لا. حتى عمر ١٢ سنة أيضا، يعتبر صغيرا بهذا المعنى، ١٣ سنة يعتبر صغيرا - فلو افترضنا أن هناك مصلحة، كان للوالد أن يزوج الولد بنتا كان ذلك الولد أو ابنا. نعم، يوجد كلام عند العلماء، أنه بعد بلوغهما، الآن الوالد زوج ابنه عبد الله بفلانة فاطمة، وهو صغير. الآن أصبح عبد الله بالغا، فهل يكون هذا العقد – عقد النكاح – لازما أو لا؟ هنا كلام بين العلماء، والرأي الأكثر بين المعاصرين هو: الاحتياط. بمعنى: أنه إذا أرادا الاستمرار فليعقدا عقدا جديدا، أو يجيزا ذلك العقد. وإذا أرادا الانفصال، فلا يقولوا: هذا عقد غير صحيح وباطل، فهو منفسخ. بل ليقوما احتياطا بالطلاق. هذا الرأي الأكثر، وأن هذا الاحتياط مما لا ينبغي أن يُترك.
فإذن، أصل ولاية النكاح والتزويج، من قبل الأب للبنت الصغيرة وللابن الصغير، هذه الولاية ثابتة للوالد فقط، وللجد من طرف الأب. وغير هذين لا يملكان هذه الولاية. إنما الكلام فيما بعد البلوغ: هل يلزم أم لا يلزم؟ وقد مر بيانه.
الآن، هذه الولاية إلى متى تستمر؟ بالنسبة إلى الذكر الابن، تستمر إلى حال البلوغ. بعد البلوغ الشرعي المعروف والذي تترتب عليه الأحكام الشرعية الأخرى، بعد بلوغ الابن تنتهي ولاية الأب على ابنه في أمر النكاح. فلا يمكن هنا أن يكون ابن عمره ١٦ سنة، فيأتي أبوه ويقول له: "زوجتك المرأة الفلانية، وخلاص، صار العقد". هذا التزويج يبقى غير صحيح؛ لأن الأب لا ولاية له في هذا المعنى. نعم، لو وكله ابنه، لا بأس. لو أجازه ابنه فيما بعد، أي أجاز هذا العقد، لا بأس. أما أن يقول له: "مثل ما أنا كنت لما أنت صغير أقدر أزوجك من دون أن أرجع عليك، أو أن أشاورك، فالآن نفس الشيء"، يقال: لا. الآن تنقطع هذه الولاية – ولاية النكاح – بالنسبة إلى الابن الذكر ببلوغه، ويرجع في هذا الأمر إليه. حتى لقد نقلوا قضية عن رسول الله محمد (ص)، تشير إلى هذا المعنى، وكأن شخصا من المسلمين كان في مثل هذا العمر: ١٧، ١٨ سنة، وكان أبوه يريد تزويجه من امرأة معينة، بينما هو نفس الشخص لم يكن راغبا فيها. فالأب يقول: أنا أبوك، ووليك، وأعرف بالمصلحة بك، وما شاكل من المبررات التي عادة يبينها كل أب: أنا أكثر خبرة منك في الحياة، أحسن حكمة، أعرف بمصلحتك، أنا كانت لي ولاية عليك، أنا ربيتك، أنت ما كنت شيئا لولا سعيي. بينما هذا الابن يريد امرأة أخرى. وكما قلت في وقت سابق، نحن كنا نتصور أن هذه الأمور كانت في السابق، بينما هي إلى يومنا هذا، وأحيانا يتعطل زواج الشاب لمدة ثلاث سنوات، أو أربع، لأخذ ورد بينه وبين أبيه، وأحيانا بينه وبين أمه. مع أن الأم لا ولاية لها أصلا في موضوع النكاح والتزويج. لا على الابن ولا على البنت. هي في هذه الجهة كالأجنبية من حيث الولاية.