نعم، الإسلام في خطاباته الأخلاقية - كما ذكرنا في وقت سابق: أن هناك خطابات فقهية وأن هناك خطابات وعظية أخلاقية - يحبذ للولد - للذكر وللأنثى - أن يشاورا حتى أمهما، أن يأخذوا برأيها، يتحينون رضاها، هذا أمر مطلوب من الناحية الأخلاقية والوعظية، وفيه رعاية لحق الأم. نعم، من الناحية الفقهية، لا يوجد هناك تكليف بحيث لو حصل نزاع، أو نوع من الاختلاف غير القابل للرد، الفقه يأتي ويقول للبنت وللابن: أنه لا شأن للأم في قضية الرفض والقبول. بمعنى: أن العقد يصح سواء قبلت الأم أو لم تقبل. أما الأب فيختلف. إذا إلى زمان البلوغ، لهذا الأب ولاية على هذا الابن. بعد البلوغ، لا، الابن ينفرد بنفسه من الناحية الفقهية، لا ولاية لأحد عليه. وإن كان من الناحية الأخلاقية والوعظية فيُوجه إلى أن يأخذ برأي أبيه، وأن يقبل كلام والده، بل والدته مهما أمكن. وأن يرتب الأمر بنحو لا ينتهي إلى مشكلة في هذا الجانب.
أما بالنسبة إلى البنت، فيختلف الحال في قضية التزويج والنكاح. ما دامت صغيرة يستطيع الأب – كما قلنا – أن يزوجها، إذا رأى في ذلك مصلحة لها، ثم بعد البلوغ يُنظر في الأمر. بعد البلوغ، هذه الولاية اللي كانت تامة بالنسبة إلى الأب تُنتقص على الرأي المشهور بين الفقهاء.
لدينا ثلاثة آراء نشير إليها سريعا: رأي بين الفقهاء، يقول: لا. الأب يبقى على ولايته للبنت والجد كذلك، فلو زوجاها، انتهى الموضوع. هذا رأي موجود. رأي آخر يقول: لا، بل رأيها هو المقدم – هذا الكلام كله بالنسبة إلى البكر، وإلا الثيب أمرها واضح – وهي التي تتصرف في أمرها ولا بد أن يؤخذ رأيها، ولو زوجت من غير إذنها ومن غير قبولها، لم يكن ذلك العقد صحيحا. ورأي ثالث: هو التفصيل بين البكر الرشيدة المالكة لأمرها، وبين غيرها. البكر الرشيدة المالكة لأمرها في بعض المجتمعات كما نلاحظ، توجد حالة اجتماعية، بحيث لما يصبح عمر البنت ١٨ سنة تستقل بحياتها، بمكسبها الاقتصادي، بقراراتها. حتى في المسلمين - في بعض المجتمعات المسلمة لا سيما في الغرب - يوجد هذا الأمر وإن كان قليلا. أما في الحالة الغربية غير المسلمة هو القاعدة: بمجرد أن يصبح عمرها ١٨ سنة، لا أمر ولا نهي لأبويها عليها، هذه مستقلة بالكامل.
في بعض المجتمعات المسلمة، شيء من هذا القبيل: أن الفتاة عندما تبلغ ٢٠، ٢٥، أكثر من ذلك من العمر، تصبح مستقلة في قراراتها الحياتية: زواجها، عدم زواجها، اقتصادها، مكسبها، شراؤها، بيعها، عملها، عدم عملها، هذا كله مستقلة فيه. يقول بعض العلماء: هذه المرأة البكر لا تحتاج إلى استئذان من أبيها أو جدها، يمكنها أن تزوج نفسها بنفسها. وهذا النموذج كما يظهر قليل جدا في مجتمعاتنا المسلمة. المالكة لأمرها ليست من تعمل ولديها مكسب اقتصادي، قسم من الناس يتصور أنه ما دامت تعمل وتكسب أموالا وإلى آخره، فهذا هو المقصود بالمستقلة. لا، المقصود نمط حياتها العام، نمط فيه استقلال، لا ينتظر إذنا من الأب. وهذا كما قلنا بالذات في مجتمعاتنا المحافظة، توجد نماذج، ولكنها قليلة. لذلك فالرأي المشهور بين علمائنا المعاصرين هو أن يؤخذ رأيها ورأي أبيها أيضا. كأنما الزواج والنكاح متوقف على أمرين: على قبولها هي ورغبتها، وعلى إذن أبيها.
فإذن تتغير الولاية هنا من حالة مستقلة - الوالد يستطيع، وهي عمرها مثلا ٦ سنوات، إذا رأى مصلحة بالنسبة لها في إجراء عقد النكاح - إلى شيء آخر: أنه بعد البلوغ إذا كانت باكرا، لا بد أيضا أن تُستأذن وأن يجتمع الأمران: إذن أبيها وأذنها. هذا بالنسبة إلى شيء من ولاية النكاح.