(١٤)هل هناك طلاق جيد ؟

(١٤)هل هناك طلاق جيد ؟
00:00 --:--

وهكذا الحال بالنسبة إلى الزوجة. "أنا أريد أطلق، طلاق خلعي، كم لا زم أعطي؟" قبل هذا، بين قوسين: لا بد أن أشير إلى أن موضوع الخلع لا يصح إلا بعد أن تكون المرأة كارهة للزوج كراهة شديدة تجعلها لا تقيم حد الله معه. أي أنها لا تقوم بوظائفها، ولا تلتزم بواجباتها تجاه زوجها كراهة له وبغضا له، وإلا: "أنا ما لي خلق أستمر، أريد شوية أدرس أكثر، هو الرجال ما في مشكلة زايد، بس أريد أطلق طلاق خلعي"، هذا لا يصح. لأن من أركان الطلاق الخلعي أن تكون هناك كراهة من الزوجة للزوج إلى حد يبلغ بها أن لا تقيم حد الله معه، ولا تلتزم بأحكامها الشرعية بالنسبة إليه، ولا تقوم بواجباتها من شدة الكراهة له. فسواء في هذه الجهة أو تلك الجهة، لا ينبغي الحساب المادي: أنا كم أخسر وكم أربح؟ هذا الحساب خاطئ. ولا بد أن يتم التفكير بنحو مغاير.

على فرض تقرر الطلاق، ووصل الأمر إلى نهايته، ينبغي أن نشير هنا - كما أشرت أعلاه - إلى أن الإسلام دين واقعي، لا يقول كالمسيحية الكاثوليكية. الكاثوليك - المسيحيون هم عدة طوائف، المشهور منهم ثلاثة: الكاثوليك، البروتوستانت، الأرثوذكس. وإن شاء الله يكون عندنا حديث في شهر رمضان حول الديانات نوضح فيها هذا الموضوع والفروق بينهم - لكن الشاهد: أن الكاثوليك من الأمور الموجودة عندهم أنهم لا يسمحون بالطلاق. يقولون: أن هذا عقد وميثاق عُقِد في السماء من خلال الدين ويمكن لأحد أن يفصم هذا الميثاق ويفصله.

الدين الإسلامي يقول: لا، الأمر ليس كذلك. الطلاق غير مرغوب فيه، وغير محبذ، ولكن قد تصل الأمور إلى حد أن يكون الطلاق حلا بين الطرفين: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ). في بعض التفاسير: يغني الله كلا منهما عن الآخر. كان المفروض أن يستغني كل منهما بالآخر: يستغنيا عاطفيا، ماليا، استقرارا. الزوج يغطي الفراغات موجودة عنده من خلال زوجته، والزوجة تغطي الفراغات الموجودة عندها من خلال زوجها: على مستوى العاطفة، على مستوى المال، على مستوى الأسرة. لكن هذا لم يحدث. والآن يتفرقا. فمن الممكن أن يغني الله سبحانه وتعالى كلا منهما عن الآخر، بمجال آخر، بشخص آخر، يجدان فيه ضالتهما.

فالدين الإسلامي في هذه الجهة واقعي. وبالتالي لا يحبذ الطلاق، ولكن لو رؤي أن الطلاق هو الحل وأنهما لا يمكن لهما الاستمرار في هذه الحياة المضطربة والقلقة، عندها يأتي ويشرع. فيقول أولا: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). طريقة الطلاق ينبغي أن تكون محافظة على القيم الأخلاقية. ويلاحظ الأخوة هنا، أنه لم يقل – سبحانه وتعالى - في هذه الآية المباركة: فإمساك بمعروف أو تسريح بمعروف. في موارد أخرى: قال ذلك. لأن في قضية السراح: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، هذه آية. في آية أخرى: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا)، في هذه الآية: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). وهذه ثلاث درجات.

أما الدرجة الأولى الأدنى: أن يكون التسريح بمعروف. والمعروف ضد المنكر. والمنكر مثل: الطلاق الضرري؛ إضرارا بها يريد أن يطلقها. الإسلام يقول: لا، مثلما أخذتها بمعروف لا يكن تسريحك إياها إضرارا بها، ظلما لها، اعتداء عليها، وإنما ليكن ضمن إطار المعروف، مما هو متعارف شرعا، متعارف ضمن البيئة الاجتماعية، هذه درجة.

الدرجة التي هي أفضل من السابقة: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا). أنتما بينكما الآن: تاريخ، عواطف، فترة حياة مشتركة، وربما أيضا أبناء، لذا ينبغي أن يكون الانفصال بينكما منسجما مع هذا التاريخ. في آية من الآيات، يقول تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)، الإفضاء: سواء كان بالمعنى الجنسي، أو بما هو شيء أعم. فالمراد: أنك صرت في حالة مع هذه الزوجة، وأنكِ أيتها زوجة صرت في حالة مع هذا الزوج، لا تكون منكما مع أحد على الإطلاق. الزوج والزوجة يكونان في حال من التواصل النفسي والجسدي لا يتكرر، أي لا يقومان ببعض تلك الأحوال مع الأرحام، ولا مع الأجانب، ولا مع أقرب المقربين. هي من الانفتاح الكامل العاطفي والجسدي، ويكون فقط بين الزوج والزوجة. أنتما بينكما ميثاق غليظ. بينكما إفضاء بهذا المستوى. لذلك لا ينبغي أن يُتناسى هذا، وإنما (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة