(١٤)هل هناك طلاق جيد ؟

(١٤)هل هناك طلاق جيد ؟
00:00 --:--

في آية أخرى، يقول: سرحوهن بإحسان. والإحسان فوق المعروف. فرضا، أحدهم أعطاك عشرة، فأعطيته عشرة أيضا، هذا معروف. لكن لو أعطيته ١٥، هذا إحسان. هي أقبلت عليك، أو هو أقبل عليك، بهذا المقدار من العاطفة، إذا تبادله، وإذا يبادلها، بنفس المقدار، هذا معروف. أعطاها ٥٠ وأخذ ٥٠. لكن إذا أحدهما أعطى فوق ذلك، تجاوز هذا الحد، صار إحسان. القرآن هنا يقول: إذا سيقع الطلاق، ليقع بإحسان. بعضهم، بعض العلماء، حتى في صيغة النكاح قالوا: أن من الأفضل حين عقد النكاح، ليس فقط أن تقول له مثلا: زوجتك نفسي، أو الوكيل يقول: زوجتك موكلتي. وإنما أن يقول: على كتاب الله، وسنة رسوله، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، زوجتك موكلتي. يعني أني ضمن هذا الإطار، أزوجك: على كتاب الله، وسنة رسول الله، وقاعدة: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فهذا مما ينبغي أن يكون بين الزوجين، وأن يحفظ كل منهما الآخر حتى لو تطلقا، فيحفظان هذه العشرة التي كانت، هذه العواطف التي بذلت، وهذه العلاقة التي صيغت.

مما ينقل في هذا المعنى في كتب الأدب، قصيدة أنشدها الفرزدق – المعروف، ابن غالب، صاحب قصيدة المدح في الإمام زين العابدين (ع) - أنه طلق زوجته متسرعا على أثر مشاكل بينهما، وقد كان اسمها نوار، وكانت الظروف آنذاك متشنجة - وكثيرا ما يقع الطلاق في وضع متشنج. هي متشنجة، هو متشنج، الوضع المحيط متشنج، فيتسرع الزوج في أمر الطلاق رغبة في إنهاء القضية والتخلص من التشنج، ثم بعد ذلك يستيقظ – فلما انقضت العدة، وراحت السكرة وجاءت الفكرة، استيقظ الفرزدق، وأنشأ هذه القصيدة: "ندمت ندامة الكُسَعِي لما غدت مني مطلقةٌ نُوار". الكسعي: يضرب به المثل في شدة الندامة، "وكانت جنتي فخرجتُ منها كآدم حين أخرجه الضُرار"، بمعنى كنت في الجنة وطلعت منها، مثل ما طلع آدم منها بسبب الشيطان. و"كنت كفاقئ عينيه عمدا فأصبح ما يضيء له النهار، ولا يوفي بحب نوار عندي ولكن كلفي بها إلا انتحار، ولو رضيتْ يداي بها وقرت لكان لها على القدر الخيار، وما فارقتها شبعا ولكن رأيتُ الدهر يأخذ ما يعار".

الشاهد، يقول: أنا صرت نادما ندامة الكسعي، وأصبحت مثل آدم لما طلع من الجنة، لكن بعد ماذا؟! بعدما انتهى الموضوع. لذلك ترون حكمة الإسلام في جعل قضية العدة. العدة؛ لكي يتمكن الزوجان من التراجع عن قرار الطلاق، ومدتها: ثلاثة أشهر أو ثلاث حيضات. فتنتهي تلك الظروف المتوترة والمتشنجة، ومن الممكن أن يرجعا لبعضهما؛ ولذلك يحرم دينيا أن يُخرج الزوجُ الزوجةَ من بيتها، ويحرم عليها أن تخرج: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ)، هذا خلاف ما نراه من قسم منهم. أصلا هي قبل وقوع الطلاق تأخذ أشياءها وتذهب إلى بيت أهلها أو بيت أبيها، أو هو - قبل أن يجري صيغة الطلاق - يقول لها: "خلاص روحي بيتكم وما أريد أشوف وجهش". هذا لا يجوز شرعا، لا له ولا لها. وإنما يجب أن تبقى في منزلها - إذا كان الطلاق طلاقا رجعيا - ثلاثة أشهر، أو ثلاث حيضات. وفي علتها، يقول الإسلام: (لعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)، تهدأ النفوس، يراجع كل منهما حساباته؛ ولهذا أيضا، نعتقد أن من الجريمة أحيانا ما يقوم به بعض وكلاء الطلاق من الاقتراح على الأزواج أنه: أنا سأطلقها منك ثلاث طلقات، بأن أجري صيغة الطلاق، وأنت توكلني في الرجوع، فأرجع بالنيابة عنها أو ترجع أنت، ثم يكون طلاق ثان، ثم ترجع شكلا ولو رجوعا لفظيا، ثم أطلقها طلقة ثالثة، فيصبح الطلاق بائنا، ولا مجال للرجوع عنه نهائيا. هذا النوع أحيانا هو من الخديعة بالنسبة إلى هذا الإنسان. إذ إن المفترض: العكس، أن تنصحه بأن لا يتعجل في أمر الطلاق. ولو قرره، ليكن طلاقا رجعيا، (لعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)؛ لأنه صعب على الرجل بعد الطلاق لثلاث مرات، أن تتزوج مطلقته زوجا آخر، ليمكنه هو أن يرجع إليها. يصعب على الإنسان عادة أن يرجع هكذا. فلماذا تسد سبيل المعروف؟! لماذا تريد أن تقضي - مع سبق الإصرار والتعمد - على هذه الأسرة؟! أن تنهيها، أن تحطمها، وتفتتها؟!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة