في هذا الحديث النبيُّ جمع بين لفظ الصيام ولفظ الصوم: "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل", فإذن هو ينوي غدًا الصوم، فكيف تقول أن الصوم معنى عظيم وغير مطلوب من عندنا، والمطلوب منَّا هو الصيام, لابد أن يبيّت الصوم حتى يحصل على الصيام.حديثٌ آخر أوضح أيضاً وهو قول النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كما روي صحيحًا عندهم: "إنّ الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" ، وضع عن المسافر ماذا؟ وضع عنه الصوم, هذا الصوم الذي يمتنع الإنسان فيه عن المفطّرات, فإذن كتب علينا الصيام دون الصوم ليس بصحيح, كتب علينا الصوم أيضًا ووضع عنا في وقت السفر, بعد ما كان الصوم واجباً علينا لما أصبحنا مسافرين وضع عنا، رفع عنَّا الصوم. والحديث الثالث الذي هو حديث قدسيّ:
"الصوم لي وأنا أجزي به – أو أُجزى به –" . ثم يعقِّبُ النَّبِيُّ يقول: إنَّ للصائم فرحتين – جعلنا الله وإياكم ممن يلقّى فرحة لقاء الله يوم القيامة –؛ فرحةً عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربِّه، فيقول: الصوم لي أنا الله. وتحقيق ذلك بفعل الصائم, إن للصائم بهذا الصوم فرحتين, فاتَّضح إذن الصوم والصيام يستعملان في حديث رسول الله بمعنى واحد, إلاَّ إذا كان - والعياذ بالله - أنَّ النبي أيضًا ما كان متوجِّهًا لهذا الفرق بين الصوم والصيام، وهذا أيضًا القائل والمعتقد به يصل إلى حدِّ جحود النبي.فهذا التَّفريق المذكور والذي يُتساءل عنه ويُعتبر كأنه فكرة جديدة ومُبدعة وكذا؛ لم يظهر أن عليها برهاناً واضحاً.اللغة أيضاً تقول نفس الشيء أن الصوم والصيام بمعنى واحد, أساساً إنَّ الصوم والصيام
هو بمعنى الإمساك عن شيء، فالخيل إذا كانت متحركة فتوقفت يقولون خيل صيامٌ وخيل غير صائمة, صائمة ليس بمعنى لا تأكل، بل بمعنى غير متحركة. يقولون الشمس إذا صارت على عمود في وسط السماء: الشمس صائمةٌ، يعني لا تتحرك ثابتة هذا في اللغة.وأيضًا يُقال: صومٌ للممسك عن الكلام، وما ورد في الآية المباركة التي هو أراد أن يستدلّ بها أن الصوم قد يجتمع مع الأكل والشرب لا!، فالصوم في اللغة بمعنى الإمساك، فتارةً يكون إمساكًا عن المفطرات، فيكون هذا الصيام الذي نحن مكلفون به, وتارةً يكون إمساك عن الكلام فيكون صوم عن الكلام, وتارةً خيل لا تتحرك فتكون خيل صائمة عن الحركة, وتارةً شمس لا تتحرك فتكون شمس صائمة، وعلى هذا القياس.فهذا التفريق أو التفكير في التفريق لم يتبين له
وجه تام وسليم كما ذكر.هذا بحث في قضية الفرق بين الصوم والصيام وتبيّن أنه لا يظهر أنَّ هناك فرقاً بهذا المعنى الذي ذهب إليه، نعم هناك بعض الفروق اللغوية مثل أن هذا مصدر وأن هذا اسم مصدر لكن هذا لا يخدم تلك الفكرة.القرآن الكريم يقول "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ - إلى أن يقول - فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"هنا أيضا حدث بحث بين فقهاء المسلمين، وبالتالي المذاهب الإسلامية، في أنّ ترك الصِّيام في السفر هل هو رخصة أو عزيمة؟ يعني بكيف الإنسان؟مثل قسم من الناس يقول: في ذاك الزمان الذي كان الصوم شاقًّا في السفر؛ السفر كان على الإبل في الشمس المحرقة كان من الطبيعي أنَّ الإنسان يترك الصوم، أمَّا الآن فعندنا أسفار مثل ٤٤
كيلو مترًا يوميًّا، أنت ذاهب إلى عملك في سيارة مكيَّفَةٍ لا تُكَلِّفُ شيئًا، فإذن لا ينبغي الإفطار، وإنما الإنسانُ مُخيَّرٌ بين أن يُفطر وبين أن يستمرَّ على صومه، وهذا معنى الرخصة؛ أنَّ الإنسان مُرخَّصٌ لهُ أن يُفطِرَ في وقتِ السَّفَر.والعزيمة معناها: أنّه يجب عليه الإفطار، ولو صام كان ذلك الصوم باطلاً وغير مقبول منه. ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإجماعهم تقريبًا على أنَّ الإفطار في السَّفَرِ عزيمةٌ وأنَّ الصَّوم في السفر باطلٌ.وهم يَجمعون في هذا أوَّلاً أحاديثَ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثُمَّ عن المعصومين (عليهم السَّلام) وقبل كل ذلك يستفيدون من الآية المباركة حيث تقول "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"، يعني فيجب عليه عِدَّة من أيام أُخَر، إذا وجب عليه عدة