تاريخ تشريع الصيام

تاريخ تشريع الصيام
00:00 --:--

١- تاريخ تشريع الصيام


صياغة الأخ الفاضل محمد رضا الطريفي الجمريّ

بسم الله الرحمن الرحيم
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"

نحمد الله (سبحانه وتعالى) أن بلَّغنا هذا الشهر الكريم ونحن في خيرٍ وعافيةٍ واستقامةٍ على الدِّين، ونسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يتمِّمَ نعمته علينا بقبول هذا العمل وبغفران الذَّنب، وأن يختمَ لنا بخاتمة الجنَّة؛ لنا ولآبائنا وأمّهاتنا ولأرحامنا ولجميع المؤمنين، إنَّهُ على كلّ شيء قدير.
في الحقيقة، إنَّ هذه من النِّعَم التي يغفل عنها الإنسان، وهي أنْ يبقى من سنة إلى سنة وهو في صحة وعافية وخير، بل أن يبقى ليوم إضافي، لذلك أنت تحمَدُ الله: "لَكَ الحَمْدُ عَلَى أَنْ بَعَثْتَنِي مِنْ مَرْقَدِي وَلَو شِئْتَ جَعَلْتَهُ سَرْمَدًا" .
كم من الناس ناموا ليلتهم البارحة ولم يستيقظوا فجر هذا اليوم، فضلاً عن الشهر الماضي والسنة الماضية، فهي فرصةٌ جديدةٌ للإنسان لكي يستزيد فيها من العمل الصالح،  وأن يتزوَّدَ بخير الزَّاد وهو التقوى ليوم قيامته، فنحمَدُ اللهَ (سبحانه وتعالى) على كلِّ ذلك قائلين: الحمد لله رب العالمين.

حديثُنا يتناول شيئًا في ظلال هذه الآية المباركة.
 نبدأ بالحديث فيها أوَّلاً عن تاريخ تشريع الصيام، الآيةُ المباركة يقول فيها ربّنا (عزّ وجل): "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ"، أيْ: فُرض، والآيةُ المباركة نزلت مشرِّعةً لهذا الواجب في السَّنَة الثانية للهجرة النبوية للنبيِّ محمد (صلَّى الله عليه وآله).
هذه السنة الثانية شهدت مجموعةً من الأمور؛ منها أنّها كانت فيها غزوة بدر الكبرى المعروفة، ومنها أيضاً أنّه نزل فيها تشريع الصيام بعد ثمانية عشر شهراً من هجرة النَّبي، يعني سنة وستة أشهر بعد هجرة رسول الله كان تشريع الصيام. وهناك فارق بين المسلمين الأوائل الذين كانوا في عصر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وبيننا؛ في أنّ الواحد منّا إذا بلغ البلوغ الشرعيّ تتوجّه إليه حُزمة الواجبات، بمجرد أن يبلُغ من النَّاحية الشَّرعية يصبح واجباً عليه الصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الكذب وترك المحرّمات كلُّها في مجموعة واحدةٍ تتوجَّهُ إليه بمجرّد البلوغ، لكنَّ هذا الأمر لم يكن في زمان رسول الله أوائل الدَّعوة، وإنّما كان التشريع يأتي متدرِّجًا وعلى دفعات؛ فمثلاً: فيما قبل الهجرة زمانَ البعثة فُرضت الصلاة، بعثة رسول الله كانت ١٣ سنة وبعدها كانت الهجرة فتمَّ التأريخ بالهجرة وإلاَّ قبلها كانت ١٣ سنة هي فترة بعثة النبي. في هذه الفترة أوائل البعثة فُرضت الصلاة وكان نبيّنا المصطفى محمد (صلَّى الله عليه وآله) يصلّي ومعه عليّ (عليه السَّلام) وخديجة بنت خويلد (عليها السَّلام)، ولم يُجمع في ذلك الوقت كما في الخبر عن نهج البلاغة أحدٌ في الإسلام غير هذه الدائرة، وثم بعد ذلك التحق زيدُ بن حارثة وآخرون.
ذلك الوقت كان تشريع الصَّلاة موجودًا، حتى ورد في الأخبار أنَّ أحدَهم - وهو من أهل المدينة - كان يقول: ذهبتُ إلى مكة في شأنٍ بيني وبين العباس بن عبد المطلب، فلمَّا انتصفَ النَّهَارُ رأيتُ رجلاً جاء فَصَفَّ قَدَمَهُ، ثُمَّ وقف بجنبه رجلٌ، ثم وَقَفَتْ خَلْفَهُمَا امرأةٌ، فقلت: ماذا يصنعُ هؤلاء، وَمَنْ هُم؟ فقال ليَ العباسُ: هذا ابنُ أخي محمدٌ ومعه عليٌّ وخديجةُ وهم يصلُّون، يقول هذا الرجل: لو كنتُ التحقتُ بهم لكنت رابع الإسلام.
فهذا التَّشريعُ كان في مكة المكرمة، بينما - مثلاً - الصوم صار في المدينة، فبعض الأحكام والتَّشريعات تأخَّرت .
في نفس هذه السنة (الثانية للهجرة) حُوِّلَت الصَّلاةُ في جهة الاستقبال إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، والنبيُّ يُعبِّرُ عنه القرآنُ في هذه الحالة: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" .
في هذه السنة تمّ تغيير القبلة إلى الكعبة المشرّفة، وفي هذه السنة بعد تغيير القبلة صار تشريع الصيام "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...".
يوجد هنا في هذه الآية عِدَّةُ مباحث:
١. المبحث الأول: وجه المشابهة ماهو؟ "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ..." ما هو وجه الشبه؟
٢. المبحث الثاني: هل إنَّ هناك فرقاً بين الصوم والصيام؟ كما ذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين أم لا يوجد فرق؟
٣. المبحث الثالث: جولة في الآية المباركة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة