هذه الرِّواية وردت في تفسير العيَّاشي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ونقلها العلاَّمة الطباطبائي في الميزان، يقول في الرواية هكذا: "ما علّم الملائكة بقولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، لولا أنّهم رأوا من يفسد ويسفك الدماء" لو لم يروا أحدًا قبل هذا الخلق، قبل آدم يفعل هذا فلم يكونوا يقولون، وهنا يُعلّق السيّد الطباطبائي (رحمه الله) بقوله: "يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم -هناك دورة أخرى، خلق آخر غير دورة بني آدم- هذه كما وردت فيه الأخبار"[٢]. هذا في تفسير الآية المباركة.
آية أخرى أيضاً فُسّرت بنفس الاتّجاه في قول الله (عزّ وجل): "أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ"[٣]، هذا الخلق الأول بعض المفسّرين فسّره -مثلاً- بآبائهم، هؤلاء جالسون يشكّكون في إعادة الإنسان إلى الحياة، فيقول لهم: نحن آباؤكم وأجدادكم كنّا منهكين في خلقهم؟ هذا هو أحد التفاسير.
أمَّا تفسير الإمام الباقر (عليه السلام) لهُ مختلف، يقول في الخبر الذي يرويه جابر بن يزيد الجعفي[٤] في قوله "أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ" يقول جابر: سألتُ الإمامَ ما معنى هذه الآية -أريد معنًى ليس بالمعنى البسيط الظاهري الذي يفهمه الجميع-؟ "فقال الإمام: لعلّك ترى أنَّ الله إنّما خلق هذا العالم الواحد؟" تتصوّر أنّ الله فقط خلق هذا العالَم الواحد الذي أنتم فيه؟ "وترى أنّ الله لم يخلق بشرًا غيركم؟ بلى والله لقد خلق الله ألفَ ألفَ عالَم وألفَ ألفَ آدم"[٥] أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الأوادم أنت آخر شيء جئت في النهاية، وإلاّ فقد كان قبلك عوالم وآدميّين ودورات بشرية ومجتمعات إنسانية، ولا تتصوّر أنّه أنت فقط الذي أُكرمت بهذا الخلق!، الله هو خلاّق فيّاض معطاء فماذا يعني أن يخلق له مليار ومليارين، هذا شيء بسيط!، آلاف آلاف العوالم وآلاف آلاف الأوادم.
فإذاً عندنا آيَتان فُسّرتا من المعصومِين (عليهم السلام) بما ينتهي إلى وجود دورات بشرية قبل آدم، ونحن جئنا في نهاية هذه الدورات نحن أبونا آدم أوّل البشر الذي نحنُ ننتمي إليهم، لكن هناك عوالم وأوادم ومجتمعات قبل هذا العالم وقبل هذا الآدم. هذا في تفسير الآيَتَيْن.
وهناك عندنا أيضاً روايات التي حاصلها (ألف ألف عالَم وألف ألف آدم) وهي مذكورة في كتبنا الإمامية، تعامل معها العلماءُ بالقبول، مثل: الشيخ ميثم بن علي البحراني المُتوفّى سنة ٦٨٠ للهجرة[٦]، عندما يتحدّث الشيخ ميثم في شروحاته لنهج البلاغة يتكلّم عن العوالم والأوادم السَّابقة على دورتنا البشرية باعتبارها قضية مسلّمة لا يحتاج فيها إلى نقاش كثير ويعتمد عليه. ومثله أيضاّ الشيخ أحمد بن طوق القطيفي أحد علمائنا السابقين الكبار[٧]، هذا أيضاً في كثير من كُتُبه يتحدّث عن هذه الفكرة -فكرة العوالم السابقة على آدم والأوادم السابقة على خلق آدم- باعتباره قضية مسلّمة. ومثله الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء (رضوان الله تعالى عليه) المُتوفّى سنة ١٣٧٣ هجرية[٨]، يذكر في كتاب (الفردوس الأعلى) نفس هذا المعنى، ويقول بأنَّ هذا الموضوع مقبول وتدلّ عليه الروايات ولا يوجد مانع من قبوله.
وهكذا مثل الشهيد الصدر الثاني السيّد محمد الصدر في كتابه (ما وراء الفقه) في البحث حول الكعبة وتاريخها، يقول: تاريخ الكعبة سابق على تاريخ آدم، تاريخ الكعبة من تاريخ الأرض قبل أن يُخلَق آدم، في إشارة إلى تلك العوالم السابقة.
إذن هذا المعنى في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فهناك روايات تتحدَّث صراحةً عن آلاف آلاف العوالم، وآلاف آلاف الأوادم قبل أبي البشر آدم، وأحد الباحثين المصريين المعاصرين كتب أيضاً كتاباً اسمه (أبي آدم)، في هذا الكتاب قسم من أفكاره لم تكن صحيحة وقسم من أفكاره -وهي ما يرتبط بهذا الموضوع- أنّ آدم هو أبونا نحن البشر في هذه الدورة البشرية، ولكن كان هناك خَلْقٌ لله قبل هذه الفترة وقبل آدم كانوا موجودين، لا أعلم هل هو اطّلَع على تراث مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المعنى، أو هو حاول حلّ المشكلة التي يُثيرها هذا الاختلاف بين البحوث العلمية وبين التاريخ الذي يذكره المتديّنون وتوصل لهذا المعنى.