هذا التاريخ الذي يُذكر عند المتديِّنين في الدِّيانات الثَّلاث يتعارض مع ما نتج عن بحوث غَرْبِيَّة عِلمية، في الأحافير في طبقات الأرض في المتحجّرات، هذه البقايا البشرية في داخل الكهوف وما شابه ذلك، يقولون بأنَّ التاريخ البشري والإنساني يمتدّ لا إلى عشرات الألوف فحسب، بل إلى مئات الألوف من السَّنوات، فكيف تقولُ كتبكم وتراثكم الديني أنّ تاريخ آدم ٨٠٠٠ سنة، فإمّا أن يكون هو ليس أول البشر، والفرض أنّ قرآنكم يقول هكذا، وإنجيلكم وتوراتكم يقولان كذلك، وإمّا ماذا تجيبون على هذا؟.
وهذا أحد الأسئلة التي يُوجّهها بعض المدرِّسين الغربيين لطلابنا المُبتعثين، أكثر من سؤال جاءَ في هذا الموضوع من قبل الطَّلبة. أنت متديّن؟ أهلاً وسهلاً، ولكن دينك هذا يُخالف العلم، العلم يقول إنَّ التَّاريخ الإنساني بحسب هذه البحوث يمتدُّ إلى عشرات الألوف من السَّنَوات أو أكثر، وأنتم بحسب ما هو مومجود عندكم تقولون آدم أبو البشر هو أول الخلق ٨٠٠٠ سنة.
في الإجابة على هذا السؤال هناك طريقان:
الطريق الأول: هو الطريق التَّقليدي الذي قِسْمٌ من الناس يسلكونه، وهو غير مُقنع تماماً، حاصل هذا الجواب: أنّ ما كان الآن من النظريات العلمية، فهذه ليست نهاية الحقائق؛ إذ النظريات العلمية متغيِّرة، نفس العلماء كانوا في وقت من الأوقات يؤمنون في علم الفلك بما يسمى (بالهيئة البطليموسية)، والذي تقول أنّ الأرض هي محور الكون، كلُّ شيء يدور حول الأرض هذه، وظلَّت العلوم تدور على هذا الأساس، حتى بعض من كذَّب بمعراج النبيِّ معتمدٌ على هذه النظرية، يقول: السماوات هي مثل البصل قشرٌ فوق قشر، كيف يخترقها؟ ما الذي يجعله يخترقها؟ وبعد ما اخترقها كيف يرجع؟ هل أغلقت أم توصَّلت أو بقت على مثل الثقب؟ ما يسمونه مشكلة الخرق والالتئام، يعني لمّا خرق هذا الحاجز الأول بعدها التئم هذا الحاجز أو توصَّل، والثاني والثالث يقولون: السماء على شكل البصل؛ شيء فوق شيء، وأنَّ الأرض هي مركز الكون، وكل شيء يدور حولها، هذه إلى فترة متأخرة. أتى (كوبر نيكوس) هذا العالم الفلكي المعروف وغيّر النظرية بالكامل، وغيّر فكرة العالم عن الهيئة الفلكية، وقال: أنَّ الأرض ليست إلاَّ كوكب من الكواكب الصَّغيرة تدور حول الشَّمس، والشمس شيء جِدًّا ضئيل بالنسبة إلى المجرة، والمجرة شيء ضئيل جداً بالنسبة إلى سائر المجرَّات، فهذه ذرة تائهة في هذا الفضاء (هذه الأرض التي لكم)، فكيف العالم كلُّه يدور حولها!.
تغيَّرت النَّظَريَّة، وصار بناء جديد لعلم الفلك، فمثل ما هذه تغيّرت بعدما كانت سائدةً فترةً من الزمان ثم تغيّرت، ومن الممكن اليوم أيضاً أن يأتي شخصٌ آخر ويغيّر هذه النَّظَرِيَّة كذلك في ما ذكرتم من عمر الإنسان في التاريخ، أيْ: مجرّد نظرية.
ولكن ما عندنا هو وحيٌ - مثلاً -، أو يُنسَب إلى الوحي فهو حقيقة نهائية. وهذا قد يكون جواباً تقليديًّا، ولعلَّه لا يكون مُقنِعاً تمامَ الإقناع.
وهناك محاولة إجابة أخرى تعتمدُ على ما وردَ عن أهل بيت رسول الله محمد (صلَّى الله عليه وآله)، وحاصل هذه الإجابة:
الاستفادة - أوَّلاً - من الآيات القرآنية مثل الآية المتقدِّمة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" مَن الذي أعلَمَ الملائكة بأنَّ هذا الخليفة معناه أن يأتي بعد شخصٍ آخر، تقول: هذا ذهب وجاء الثاني خليفةً له، عندما أتى هذا الخليفة فهذا يعني أنَّ هناك - أوَّلاً - جماعة قبله، وإلاَّ لا يكون خليفة.
ثانيًا: من الذي - وما الذي - أعلم الملائكة بأنَّ هذا الخليفة أيضاً سيُفسد في الأرض ويَسفك الدماء؟ لابُدَّ أن يكونوا رأَوا أمامَهم نموذجًا، وإلاَّ كان من الافتراء والتقوُّل الذي ليس له معنى، رأوا شيئاً قبل ذلك فقالوا: هذا الذي أنت ستخلقه من جديد مثل ذلك فما هو الداعي إلى هذا؟ فهذا المعنى يُفيدُ بأنَّ الملائكة كانوا قد رأوا خلقاً آخر، هذا الخلق كان عندهم هذه الصِّفات السَّلبية فلمَّا رأَوا اللهَ وأخبرهم بأنّه سيخلُقُ جماعةً آخرين خُلفاءَ لأولئك الأوَّلين، تصوَّروا أنّه مثلهم، فقالوا: هذا ليس له معنى لأنّه سيُفسد فيها ويسفك الدماء!، قال لهم: أنا أعلم ما لا تعلمون.